الوداع الغامض: تفاصيل يوم رحيل الحبيب بورقيبة وسط غياب الصورة
في صباح السادس من أبريل عام 2000، تلقى التونسيون نبأ وفاة أول رئيس للجمهورية، الزعيم التاريخي الحبيب بورقيبة، الذي يعتبره الكثيرون مهندس الاستقلال وباني مؤسسات الدولة الحديثة. غير أن جنازته جاءت على غير المتوقع: لم تُرافق بتغطية إعلامية تليق بشخصيته ومكانته، ولم تُعرض صور الموكب أو مشاهد التوديع في الإعلام الرسمي أو حتى الدولي.
الزخم الشعبي والحكومي الذي كان يُنتظر أن يواكب رحيل بورقيبة، مُؤسس تونس الحديثة، بدا غائباً، لاسيما وأن السلطات آنذاك كانت قد منعت نقل الصور والبث المباشر للجنازة. بقيت وقائع الرحيل طي الكتمان نسبياً، وتحوّل اليوم المهيب إلى لغز طالما طرح تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء التعتيم.
وبحسب شهادات من شخصيات عاصرت الحدث، من ضمنها الصادق بوعبان المدير السابق للتلفزة الوطنية، فإن التعليمات الرسمية كانت صارمة بعدم تغطية الجنازة إعلامياً. لم يُسمح للكاميرات بالدخول، ولم تحظ تغطية الحدث سوى بنشرات رسمية مقتضبة. كان لهذا النهج أثر بالغ في جميع الأوساط، حيث وُصف يوم دفن الزعيم بأنه “جنازة بلا صورة”، وازدادت التكهنات لدى المواطنين حول الدوافع السياسية وراء هذا القرار سواء من النظام السابق أو مخاوف مرتبطة بإرث بورقيبة وحساسية رمزيته التاريخية.
تُجمع أغلب المصادر اليوم أن عملية تهميش جنازة بورقيبة لم تكن مجرد صدفة بل كانت متعمدة، ويرى محللون أن تراث الزعيم قد أصبح عبئاً على الحكم القائم آنذاك بسبب مواقفه السياسية الصدامية وماضيه الإصلاحي الذي يُذكر عمومًا بكل ما يحمل من كاريزما وطنية وإرث سياسي.
اليوم وبعد سنوات من الحدث، ومع سقوط النظام الذي عزل بورقيبة وعتم على إرثه وتبتعد فيه القيود، أعيد الاعتبار لذكراه وشاركت شخصيات من مختلف الأطياف السياسية في إحياء ذكراه وتخليد اسمه من جديد. لكنه سيبقى في أذهان التونسيين ذلك اليوم الغامض، حين ودّعوا زعيمهم في صمت ودون مشهد يوثق لحظة تاريخية مفصلية في تاريخ الدولة التونسية.
