تأثير اقتصاد الريع على القطاعات الحيوية في تونس: دراسة إستراتيجية جديدة

أصدر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية مؤخرًا دراسة تحليلية شاملة حول ظاهرة الاقتصاد الريعي في تونس تحت عنوان “سياسة مكافحة اقتصاد الريع في تونس: نحو نمو مستدام وشامل”. أعدّت هذه الوثيقة الدكتورة هالة بن حسين خلادي ووجهت بالأساس إلى رئاسة الجمهورية، بهدف تقديم توصيات عملية لإصلاح الاقتصاد الوطني وتعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

تعرّف الدراسة الاقتصاد الريعي كمنظومة تعتمد على الحصول على الثروة من خلال الامتيازات والاحتكارات وتراخيص الاستيراد والدعم الموجه، ما يؤدي إلى ظهور قوى اقتصادية مُهيمنة قادرة على التحكم في السوق دون إنتاجية حقيقية. وقد بيّنت الوثيقة أن عدداً من القطاعات الهامة في تونس، من بينها الطاقة والمحروقات، والقطاع الزراعي، وبعض مجالات التجارة والصناعة، تعرضت لاستغلال واضح من قبل المجموعات المنتفعة من النظام الريعي، مما انعكس سلبًا على تنافسيتها ونزاهتها وقدرتها على التوظيف وخلق الثروة.

كما أشارت الدراسة إلى أن انتشار الممارسات الريعية ساهم في تعميق الفوارق الاجتماعية وتعطيل مبادرات الاستثمار والإبداع، حيث يجد المستثمرون الجدد صعوبة في دخول السوق بسبب الحواجز غير الرسمية وتكريس الامتيازات القديمة المرتبطة بعلاقات شخصية أو سياسية. واتضح أيضًا أن سياسات الدعم الحكومية والترخيصات عوض أن تحقق العدالة، أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتكديس الثروة لدى دوائر ضيقة من المنتفعين.

وفي هذا السياق، اقترحت الوثيقة سلسلة من الإصلاحات الاستراتيجية من بينها إعادة النظر في سياسات الدعم، وتحسين الإطار التنظيمي، وتعزيز الشفافية في منح التراخيص والتعاملات التجارية، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار والمنافسة الحرة بهدف تحفيز النمو الشامل المستدام.

وختمت الدراسة بالتأكيد على ضرورة تبني خطة وطنية صارمة للقضاء على المظاهر الريعية والحفاظ على التوازن بين العدالة الاجتماعية وتعزيز المناخ الاقتصادي الجاذب للاستثمار والعمل المنتج. كما دعت إلى تفعيل دور المؤسسات الرقابية وتشريك مختلف المتدخلين من الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في مسار الإصلاح لتحقيق اقتصاد أكثر كفاءة وعدلاً لجميع التونسيين.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *