تونس بين مطرقة الاستثمار الأجنبي وسندان تعثّر إنتاج الفوسفات: فرصة تاريخية على المحك

شهد مشروع القصعات للفوسفات في ولاية القصرين تحوّلات متسارعة مؤخراً، دفعته من مجرد مبادرة تعدين محدودة تقودها شركة أسترالية (فوسكو)، إلى محور اهتمام إقليمي ودولي خاصة مع دخول الولايات المتحدة كممول وشريك محتمل، وتسابق مؤسسات كبرى لجذب رؤوس أموال أمريكية وأوروبية إليه. ويأتي ذلك في ظل معطيات استراتيجية جديدة، إذ لم يعد الحديث عن الفوسفات مجرد قضية اقتصادية محلية، بل أصبح مرتبطاً عضوياً بأمن الغذاء والطاقة عالمياً.

دخلت الإدارة الأمريكية على خط تمويل المشروع عبر منحة قد تصل إلى 1.54 مليون دولار لتيسير مساهمة استثمارية أمريكية في رأس مال الشركة المطورة للمشروع، وتسهيل تصدير المعدات الأمريكية ودعم اتفاقيات توريد طويلة المدى. ويتوقع أن تساهم هذه الخطوة في ضخ ما بين 30 إلى 40 بالمائة من رأس المال الجديد من مستثمرين أمريكيين، مع تصدير معدات بقيمة تتراوح بين 15 و25 مليون دولار، ما يعني ربط المشروع أكثر بشبكة التجارة العالمية وتدويل سلاسل الإمداد.

ولم تقتصر التحولات على الجانب الأمريكي فقط، إذ أنّ البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية دخل في شراكة مع الشركة المطورة ووزارة الصناعة لدعم الدراسات وتمويل جوانب البنية التحتية ودراسة الحلول البيئية، ما يعكس البعد المتعدد الأطراف للمشروع.

على صعيد الاستكشافات، تمكنت الشركة الأسترالية من رفع الموارد المقدرة إلى أكثر من 166 مليون طن بعد اكتشافات جديدة ذات تركيز مرتفع، وتوضيح أن بعض مناطق الحفر تقع على مقربة من منشآت المعالجة المخطط لها، مما يُحسّن جدوى المشروع الاقتصادية خاصة في مراحله الأولى.

لكن، رغم ضخامة الفرصة وتوفر مقومات الانخراط في السوق العالمي للفوسفات والأسمدة، فإن تعطل الإنتاج في السنوات الأخيرة وبطء وتيرة الإنجاز الميداني وضع تونس أمام تحدٍ حقيقي. فما بين تطلعات استعادة موقعها التاريخي كمصدر رئيسي للفوسفات، ومخاطر خسارة الفرص الاستثمارية لصالح دول منافسة أكثر استقراراً، يظل مصير المشروع رهناً بسرعة تنفيذ الإلتزامات والتغلب على العراقيل المحلية.

ويشير مراقبون إلى أن نجاح مشروع القصعات لن يكون له أثر على تونس فقط، بل يُتوقع أن يسهم في تعزيز مكانة شمال إفريقيا عموماً على خارطة الأمن الغذائي وصناعات الأسمدة والمعادن الاستراتيجية.

باختصار، مشروع القصعات يقف اليوم عند منعطف: هل تنجح تونس في اقتناص الفرصة وتحويل ثروتها من الفوسفات إلى محرك للتنمية والشراكة الدولية، أم تتباطأ وتفقد بريقها في أسواق لا ترحم التأخير؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بتحديد مصير هذه الورقة الرابحة من أوراق الاقتصاد الوطني.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *