احتيال المظاهر: الألقاب القضائية الوهمية تهدد مصداقية المهنة في تونس

في السنوات الأخيرة، شهدت الساحة القضائية في تونس ظاهرة جديدة مثيرة للجدل تتمثل في انتشار ما يمكن تسميته بـ”الألقاب القضائية الوهمية”، حيث يتباهى بعض الأفراد بلقب “قاضٍ دولي” أو “مستشار قانوني عالمي” دون أن يكون لديهم أي اعتراف رسمي من المؤسسات أو الهيئات القضائية المعروفة. هذه الظاهرة ليست مجرد خداع بسيط بل تقدم نفسها في ظل تزايد التنافس والشغف بالمكانة الاجتماعية وثقة المجتمع في أصحاب الرداء الأسود.

في البداية قد يبدو الأمر غير ذي ضرر؛ إذ يدفع بعض الطامحين رسوماً للشركات الخاصة التي تمنح بطاقات عضوية وشهادات بلمسة احترافية تفتقر لأي صلاحية قانونية حقيقية. لكن الخطورة تتجلى حين يبدأ حامل هذه الألقاب باستخدامها علناً أو تقديم نفسه بها للرأي العام، فيقنع نفسه والآخرين بشرعية منصبه الوهمي، وقد يلجأ البعض إلى تعليق تلك الشهادات والميداليات الوهمية على جدران مكاتبهم أو إبرازها في بطاقاتهم المهنية.

وفق التشريع التونسي، لا تمر مثل هذه التصرفات دون مساءلة. يشدد الفصل 159 من المجلة الجزائية على أن كل من ينتحل صفة أو لقباً دون وجه قانوني يواجه عقوبة بالسجن لمدة عام. أما إذا استغل الشخص هذا اللقب الزائف من أجل كسب المال أو التأثير على المتعاملين معه، فإنه يواجه عقوبات أشد في إطار جريمة التحيل المنصوص عليها بالفصل 291، حيث يمكن أن تصل العقوبة إلى خمس سنوات من السجن.

بعيداً عن الأضرار القانونية، تضر هذه الظاهرة بثقة المتقاضين في القضاء وتشوّه صورة القضاة الحقيقيين الذين بذلوا سنوات طويلة من التكوين والجد والاجتهاد للوصول إلى مناصبهم. كما تزعزع هيبة المؤسسات القضائية التونسية والدولية على حد سواء.

لقد بات ضرورياً اليوم توعية المواطنين والمؤسسات بضرورة التحقق من هويات وصحة صفة كل من يقدم نفسه كقاض أو مستشار دولي، وعدم الوقوع فريسة لمظاهر براقة لا أساس قانوني أو أخلاقي لها، وأن يُترَك أمر العدالة للمؤسسات والأشخاص المؤهلين فعلاً، حفاظاً على كرامة القضاء وضماناً لحقوق الجميع.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *