آثار تونس بين مطرقة النفوذ الأمريكي وسندان التوسع الصيني: منافسة هادئة في قلب التراث
بينما يتنازع صناع القرار في تونس حول ملفات القروض وضبط بوصلتهم الدولية، تشهد البلاد سباقًا غير معلن على مستوى أراضيها التاريخية، حيث تحولت المواقع الأثرية إلى محور اهتمام القوى العالمية الكبرى، وبالتحديد الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
ففي تطوّر بارز شهد عام 2023 توقيع اتفاقية تعاون بين تونس والصين في مجال التنقيب الأثري، حيث شرعت فرق من البلدين في عمليات اكتشاف وحماية تراثية بموقع بن عروس الأثري وعدة مناطق أخرى. هذه الخطوة تأتي في إطار رغبة بكين في تعزيز حضورها الثقافي ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، التي تهدف إلى ربط الصين بالعالم بمشاريع اقتصادية وثقافية. ويسهم هذا التعاون أيضاً في نقل التقنية والمعرفة المتعلقة بصون التراث وإدارته إلى الجانب التونسي، ما يثير حفيظة قوى منافسة أخرى تعتبر شمال إفريقيا ساحة مفتوحة لمشاريع النفوذ الناعم.
على الجانب الآخر، لم تغب الولايات المتحدة عن المشهد، بل عززت في السنوات الأخيرة حضورها في المشروعات الأثرية عبر دعم مؤسسات علمية وتمويل بعثات بحثية تهدف للحفاظ على الموروث التونسي، لكنها تحمل أيضًا رسالة دبلوماسية حول الشراكة المستدامة مع تونس. وهذا الدور الأمريكي غالبًا ما يواجه بالتوازي مع التحرك الصيني، ما يجعل المواقع الأثرية التونسية تضطلع بدورٍ جديد يتجاوز البعد التاريخي ليصبح نقطة التقاء وصراع مصالح إستراتيجية واقتصادية.
اللافت أن هذه المنافسة تجري بشكل هادئ نسبيًا بعيدًا عن الضوضاء السياسية. المختبرات العلمية في حركية غير مسبوقة والتحركات الميدانية تكشف تغيرًا في أولويات القوى الكبرى تجاه التراث، فلم تعد الآثار مجرد ذاكرة وطنية بل ورقة دبلوماسية تستخدم بحذر في رسم خرائط النفوذ الدولي على أرض تونس.
رغم التحديات التي تواجه عمليات التنقيب من محدودية الموارد والمسائل الأمنية، يظل التراث التونسي شاهدًا على التنافس بين ثقافتين: الأولى تراهن على التاريخ كحلقة وصل استراتيجي مستقبلي، والثانية ترى فيه كنزًا ثقافيًا وطنيًا يدعم الشراكات الدولية، مع بقاء السؤال مفتوحًا: لمن ستكون الغلبة في سباق التأثير الهادئ هذا؟
