دراسة حديثة: أبحاث جينية تثير جدلاً حول الجذور الأصلية للقرطاجنيين
أثارت دراسة علمية جديدة قادها باحثون من جامعة هارفارد نقاشًا واسعًا حول الأصول العرقية للقرطاجنيين القدماء، حيث قدمت نتائج غير متوقعة تخالف الروايات التقليدية التي استمرت لقرون.
بحسب الدراسة المنشورة في عام 2025 تحت إشراف العالِمَين هارالد رينغباور وديفيد رايش، فإن التحليل الجيني لعظام سكان مدينة قرطاج الذين عاشوا في القرن الرابع قبل الميلاد كشفت عن أن أصولهم الوراثية قريبة بشكل ملحوظ من سكان اليونان الإيجيين. وقد اعتمد الفريق البحثي على عينات حمض نووي أخذت من مدافن أثرية تعود لتلك الفترة، وقارنها ببيانات من مناطق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.
تشير هذه النتائج إلى تداخل جيني كبير بين القرطاجنيين والشعوب الإيجية، مما يشير إلى وجود تواصل أو أصل مشترك أكثر مما كان يُظن في الماضي. هذا الاكتشاف يأتي مناقضًا للرواية الشائعة التي تربط أصل القرطاجنيين بالفينيقيين في منطقة الشام، إذ لطالما اعتبرت المصادر الكلاسيكية أن قرطاج أسستها مستعمرون جاؤوا من صور اللبنانية.
وقد أحدثت هذه النتائج جدلاً في الأوساط الأكاديمية، بين من يرى فيها تصحيحاً لمفاهيم تاريخية مغلوطة، ومن يعتقد أن البيانات الجينية وحدها لا تكفي لتحديد الهوية العرقية لشعوب قديمة كانت دائمة التنقل والاختلاط. من جانبهم، يؤكد قادة الدراسة على أن الدليل الجيني يدعم فكرة وجود هجرة أو تداخل سكاني واسع في منطقة البحر المتوسط خلال تلك الحقبة.
أثارت الدراسة كذلك تساؤلات حول أهمية العوامل البيئية والثقافية وتأثيرها في تشكيل الهويات بعيدًا عن البعد الجيني فقط. ويوصي الباحثون بمواصلة البحث في مناطق أخرى من شمال أفريقيا لفهم أفضل لمسيرة التغير الديمغرافي في المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن موضوع أصول القرطاجنيين كان دائمًا موضع اهتمام لباحثين من أنحاء العالم، نظراً لدورهم المحوري في تاريخ البحر المتوسط، والتأثيرات الحضارية التي حملوها معهم في التجارة والثقافة والحروب. وتؤكد نتائج الدراسة الجديدة على أن تاريخ الشعوب غالباً أعقد بكثير مما تحكيه الروايات التقليدية، وأن العلم الحديث مستمر في إعادة رسم خريطة الماضي.
