أوهام التحليل الإعلامي في أوقات النزاعات: بين الرغبة والواقع
تتكشف خلال الحروب والأزمات الكبرى ظاهرة متزايدة بات كثير من السياسيين والمحللين والإعلاميين ينخرطون فيها دون وعي كامل بآثارها: “التحليل الرغبوي”. هي ممارسة تقوم على تفسير الأحداث المتغيرة اعتماداً على الأمنيات والتوقعات الذاتية، لا على حيثيات الواقع وكثرة تعقيداته.
مع اشتداد النزاعات، يصبح تداول المعلومات وتبادل الروايات ساحة مواجهة لا تقل ضراوة عن ميادين القتال. في هذه الأجواء، يكثر تداول الأخبار والتحليلات التي يراد منها دعم موقف طرفٍ أو النيل من آخر. ويكثر أن ينبني الخطاب الإعلامي على افتراضات متخيلة، ما يحول الأماني إلى “حقائق” مُعاشة، ويخلق للرأي العام معطيات مشوهة وأوهاماً أوسع من الحقيقة نفسها.
في تجربة الإعلام العربي تحديداً، يُلاحظ باطراد أن تحولات الميدان غالباً ما تُقرَأ وتحلَّل بعيون متمنية. طرفٌ قد يرى أن النصر قاب قوسين أو أدنى بناءً على شذرات معلومة أو صور مجتزأة من سياقها، وآخرون يرون الهزيمة في ذات المشهد. تصبح الأحداث محلاً لإسقاط الرغبات، ويغيب الحذر في التعامل مع الحقائق.
وقد أظهرت عدة دراسات علمية حول هذا النوع من التحليل، أنه يزداد شيوعاً في لحظات التصعيد الحربي، وأن وسائل الإعلام تضطلع بدور رئيس في تغذية التحليل الرغبوي، عبر تضخيم إنجازات طرف ما، أو تجميل صورة حليف في مقابل تشويه صورة الخصم. أما الجمهور، فينجذب إلى السرديات التي تشبع تطلعاته وتحقق انتصارات نفسية وقتية.
غير أن اعتماد هذه الأساليب لا يخلو من نتائج خطيرة. فمع مرور الوقت، يُصاب المتابعون بالتخبط والارتباك عندما تبدأ الحقيقة بالظهور شيئاً فشيئاً ويكتشفون اتساع الفجوة بين الأمنيات والوقائع. كما تتآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام المحلية مما يترك مجالاً أوسع للإعلام الخارجي المؤثر، ويؤثر في مسار الرأي العام تجاه القضايا المصيرية للأمة.
لذا، تبقى الدعوة قائمة للتمييز بين قراءة الوقائع كما هي، وبين الانجرار وراء أمنياتنا. فالمحلل الحقيقي هو من ينأى بنفسه عن هوى الموقف الشخصي، ويرصد المشهد بعين الناقد الحذر، مستنداً على الدلائل، حتى ولو خالفت ما يأمل أو يتمنى. في أزمنة الحروب وسواد التضليل، وحدها الموضوعية هي البوصلة التي يجب أن نتمسك بها.
