تأخر سن الزواج في تونس: واقع ديمغرافي يفرض تحديات جديدة
تشهد تونس في السنوات الأخيرة تغيرات ديموغرافية لافتة، إذ أصبح معدل سن الزواج يرتفع تدريجياً، وتراجعت نسب الإقبال على الزواج بشكل ملحوظ. وتشير أحدث إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء، إلى انخفاض حالات الزواج بما يقارب 10% خلال عام 2024 مقارنة بالسنوات السابقة، بالتوازي مع تراجع معدلات الولادات والخصوبة وانخفاض النمو الديمغرافي إلى حوالي 0,87% سنوياً.
هذا التراجع ليس مجرد أرقام على ورق، بل يعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة أثرت على منظومة الأسرة التونسية. فاليوم، يواجه الشباب تحديات اقتصادية متزايدة وصعوبات في إيجاد فرص عمل مستقرة وسكن ملائم، إلى جانب تغير أولويات الكثيرين، ما جعل الزواج قراراً مؤجلاً حتى سنوات الأربعين لدى نسبة هامة من المجتمع.
ومن جانب آخر، يحذر متخصصون في علم السكان من تداعيات هذه الظاهرة على مستقبل البلاد، حيث أن استمرار انخفاض معدلات الزواج والإنجاب قد يؤدي إلى تسارع وتيرة شيخوخة المجتمع، الأمر الذي ينعكس على التوازن السكاني ويهدد استدامة المنظومات الاجتماعية والاقتصادية.
وتعزو الباحثة سناء نقيرة، الأستاذة المساعدة في علم السكان، هذه الظاهرة إلى تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مشيرة إلى ضرورة تبنّي سياسات تحفيزية لمساعدة الشباب على تكوين أسر وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وترى نقيرة أن ارتفاع نسبة العزوبة وتقدم سن الزواج يتطلبان استراتيجية وطنية لمواكبة المتغيرات المجتمعية وضمان تجديد الأجيال.
وفي ظل هذه التحديات، تدعو بعض الأطراف إلى مراجعة السياسات المرتبطة بسوق الشغل والسكن، وتوفير أطر دعم مالي واجتماعي لتسهيل طريق الزواج أمام الشباب، مع تعزيز حملات التوعية حول أهمية الاستقرار الأسري ودوره في تنمية المجتمع.
أخيراً، يبقى ملف تراجع الزواج وارتفاع سن تكوين الأسرة أحد الملفات الديمغرافية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً في تونس، ما يستدعي تضافر جهود جميع المؤسسات من أجل إيجاد حلول واقعية ومستدامة لمواجهة هذا التحول الديمغرافي وضمان مستقبل متوازن للأجيال القادمة.
