استمرار الجبر الديواني رغم العفو: جدل بين التشريع والتنفيذ في تونس
أثارت النائبة فاطمة المسدي جدلاً جديدًا في المشهد البرلماني بعد أن رفعت سؤالًا كتابيًا إلى وزيرة المالية، متسائلة عن الأسباب الكامنة وراء تواصل تطبيق إجراءات الجبر الديواني على بعض المواطنين ممن استوفوا شروط الانتفاع بالعفو الديواني المنصوص عليه في قانون المالية لسنة 2025، وسددوا ما عليهم من مستحقات تبعًا للجداول الزمنية المتفق عليها.
وتعود إجراءات الجبر الديواني إلى سلسلة من التدابير القانونية التي تعتمدها الإدارة الديوانية لضمان تحصيل الحقوق المالية الواقعة بذمة المخالفين، خاصة منها الحجوزات وتجميد الأرصدة والمنع من السفر. وتمنح آلية العفو الديواني، كما أقرتها الحكومة ضمن قانون المالية الجديد، فرصة للمخالفين لتسوية أوضاعهم إما عبر دفع مستحقاتهم دفعة واحدة أو وفق جدول دفع يمتد إلى غاية نهاية شهر جوان 2025، وهو ما شجع شريحة واسعة من المواطنين على المبادرة بتسوية المخالفات المعلقة عليهم.
ورغم ذلك، تفاجأ بعض المنتفعين بالعفو، ممن التزموا بهذه الإجراءات، باستمرار تطبيق العقوبات والإجراءات القانونية ضدهم، في وقت يفترض فيه استفادتهم من وقف هذه التدابير فور الانخراط بالمسار القانوني المعد لهم. وأثار هذا الوضع موجة من الغموض، حيث لم يصدر توضيح رسمي يبين ما إذا كانت الإشكالية تعود إلى تأخر في الجانب الإجرائي أو لوجود إخلالات في الملفات المستفيدة.
وتعكس هذه الحالة جدلية تعيشها الإدارة العمومية أحيانًا بين النصوص التشريعية وسلاسة التنزيل على أرض الواقع. إذ يُؤمل من الجهات الرسمية المعنية، وفي مقدمتها وزارة المالية والإدارة العامة للديوانة، إصدار بيان مفصل يوضح للنسيج المجتمعي من مستفيدين بالعفو الديواني كيفية التفعيل العملي لهذا المسار، والإجراءات الواجب اتباعها عند حصول أي خلل أو سوء فهم في التطبيق.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن العفو الديواني، بحسب ما أفادت به مصادر ديوانية رسمية، لا يشمل جميع المخالفات ولا يمتد ليشمل القضايا الصرفية أو تلك التي صدرت في شأنها أحكام باتة قبل تفعيل هذه المقررات، بل يخص فقط الملفات الموضوعة قيد التسوية والتي تم الالتزام بسداد ما ورد بشأنها وفق الآجال.
بين المطالبة البرلمانية والتوضيحات الحكومية المنتظرة، يبقى المجتمع المدني والمتضررون في انتظار إجابات شافية تضمن لهم الحقوق وتمنع عنهم الإجراءات الزجرية متى أوفوا بالتزاماتهم القانونية.
