ضفاف البحيرة بين طموحات الاستثمار وتراكم الجمود: قصة أطول مشروع متعثر في تونس
في قلب العاصمة تونس، تشهد منطقة ضفاف البحيرة واحدة من أكبر الأزمات العقارية التي عرفتها البلاد منذ عقود، بعدما تحولت الأراضي الأغلى في البلاد إلى نقطة نزاع وتعطيل بسبب مشاريع استثمارية كان يُفترض أن تغيّر وجه العاصمة. فمنذ قرابة عشرين عامًا، دخلت شركتان إماراتيتان المشهد عبر وعود بإطلاق مشروعات عملاقة، أبرزها مشروع “سما دبي” المعروف إعلاميًا بمدينة القرن، لكن الواقع اليوم رسم صورة من التوقف والتعطيل، لتصبح البحيرة رمزًا لوعد لم يتحقق.
انطلقت الحكاية مطلع الألفية الثالثة، عندما وقّعت تونس اتفاقيات مع مستثمرين من دولة الإمارات لتطوير مساحات شاسعة من ضفاف البحيرة، تفوق 1000 هكتار، على أن يتم إنجاز مدن ذكية ومنتجعات حديثة من شأنها جذب الاستثمارات والسياح وخلق فرص العمل. بقي الحلم حاضرًا في الذاكرة الجماعية، وسط تغطية إعلامية واسعة لوصول الاستثمارات الخليجية التي كانت توصف بأنها قد تشكل قاطرة التنمية الجديدة.
إلا أن تلك المشاريع طالتها أزمات قانونية وإدارية معقدة جعلت تنفيذها محل توتر بين الأطراف، وسط غياب رؤية واضحة للحسم في مستقبل الأراضي التي بقيت شبه معطلة. فلا المشاريع أُنجزت، ولا الدولة استعادت ملكية الأراضي لطوريها من جديد. وانعكس هذا التعطل على الاقتصاد الوطني، إذ ظلّت المنطقة واحدة من أضخم الموارد العقارية المجمدة، في حين كان يمكن أن تسهم في إنعاش السوق وخلق آلاف مواطن الشغل.
خسرت تونس بفعل هذا الوضع تدفقات استثمارية هامة، بل وتحولت المنطقة إلى ساحة نزاع قانوني واتهامات متبادلة بالتقصير وسوء الإدارة من جهات عديدة. وفي خضم هذه الأزمة التي طالت لأكثر من 18 عامًا، بدأت أصوات من المجتمع المدني والاقتصاديين ترتفع مطالبة بفك القيود القانونية وإعادة تفعيل المستثمرين الجديين أو التوجه نحو حلول لاسترجاع هذه العقارات إلى الدورة الاقتصادية.
يبقى ملف ضفاف البحيرة في تونس شاهدًا على تحديات الاستثمار الأجنبي حين يغيب التخطيط طويل الأمد والرقابة الفعالة وحسم النزاعات في الوقت المناسب. وفي انتظار حل نهائي يعيد الحياة إلى هذه المنطقة الحيوية، تستمر ضفاف البحيرة كمرآة لأكبر قصة عطالة عقارية في تاريخ تونس الحديث، بين الوعود الكبيرة والواقع المتعثر.
