هل إسقاط الحكومة خيار واقعي في تونس؟ عقبات الدستور وشروط البرلمان

تشهد الساحة السياسية في تونس حالياً نقاشات ساخنة حول مطالبة بعض نواب مجلس الشعب بسحب الثقة من الحكومة، بعد موجة من الانتقادات في أعقاب الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء وغياب ممثلي الحكومة عن الجلسة الاستثنائية الأخيرة. إلا أن هذه الأصوات، وعلى الرغم من ضراوتها، تصطدم بجدار من الإجراءات الدستورية الدقيقة التي تجعل تغيير الحكومة مهمة شديدة التعقيد.

تنص الفصول 97 و98 من الدستور التونسي على شروط صارمة لسحب الثقة من الحكومة. أولاً، يتعين على ما لا يقل عن ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب تقديم طلب معلل لرئيس المجلس لطرح لائحة لوم ضد الحكومة. يتم إيداع اللائحة ولا يُمكن التصويت عليها إلا بعد مرور خمسة عشر يوماً من تقديمها مما يمنح الحكومة فرصة لترتيب أوضاعها والتحرك سياسياً.

غير أن الشرط الأبرز هو ضرورة حصول مقترح سحب الثقة على الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس، ما يعني موافقة عدد كبير من النواب وهو أمر صعب في ضوء الانقسامات السياسية وتعدد الكتل النيابية. وتزداد صعوبة السيناريو عندما ينص الدستور أيضاً على أنه في حالة الموافقة على سحب الثقة، يجب أن يتزامن التصويت نفسه مع تقديم مرشح بديل لرئاسة الحكومة يحظى بالموافقة في نفس الجلسة. هذا التداخل يزيد من تعقيد العملية ويجعل جمع التوافق حول شخصية بديلة مهمة شبه مستحيلة في الظروف السياسية المتوترة.

ويرى مراقبون وبرلمانيون، من بينهم عضو لجنة المالية نور الدين الجريدي، أن مثل هذه الإجراءات لا تترك مجالاً كبيراً للمناورة السياسية. وقد أشار في تصريح وإذاعي إلى أن الواقع البرلماني اليوم، بما فيه من توازنات حزبية وتحالفات هشة، يلتقي مع واقع دستوري صعب، ليجعل إسقاط الحكومة خياراً نظرياً أكثر منه مؤثراً عملياً.

أيضاً، يضع الدستور قيوداً زمنية أخرى، فبعد محاولة سحب الثقة الفاشلة، لا يمكن للمجلس إعادة طرح نفس اللائحة إلا بعد ستة أشهر، مما يعطي الحكومة حصانة مؤقتة لتعزيز موقعها أو إجراء إصلاحات.

باختصار، تضمن الإجراءات والضمانات الدستورية في تونس استقرار المؤسسات وصعوبة زعزعة الحكومة إلا بتوافق سياسي عريض وإجماع برلماني واسع، وهو أمر قلما يتوفر في وضع سياسي متقلب كالذي تعيشه تونس اليوم. لذلك يبقى الحديث عن إسقاط الحكومة شعاراً سياسياً يرفعه البعض، لكنه يظل بعيد المنال ما لم تتغير موازين القوى داخل البرلمان أو تشهد الساحة التونسية تحولات جوهرية في التفاهمات السياسية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *