تغييرات في أسعار مئات الأدوية تثير جدلاً حول مستقبل الصحة في تونس
شهدت السوق الدوائية في تونس في الفترة الأخيرة موجة زيادات في أسعار نحو 300 صنف دوائي، استنادًا إلى منشور رسمي صادر عن الصيدلية المركزية التونسية مع مطلع النصف الثاني من سنة 2026. وقد شملت هذه الزيادات أدوية ضرورية، خاصة لعلاج أمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب واضطرابات الغدة الدرقية، ما أثار موجة قلق كبيرة في صفوف المواطنين وأصحاب الأمراض الذين أصبحوا يشعرون بمزيد من الضغوط المالية.
جاءت هذه القرارات نتيجة أزمة نقدية خانقة تمر بها الصيدلية المركزية التونسية والصندوق الوطني للتأمين على المرض. فقد أشارت تقارير رسمية إلى أن نقص العملة الأجنبية وتزايد الديون المتراكمة جعلا المؤسسات الصحية غير قادرة على توفير كامل احتياجات البلاد من الدواء، الأمر الذي أدى إلى شح في بعض الأصناف على مدار أشهر عديدة.
وفي محاولة منها لتأمين استمرارية توفر الأدوية في السوق المحلي، اتجهت الصيدلية المركزية إلى مراجعة أسعار مئات الأدوية بالزيادة. هذه الخطوة رُوِّج لها كإجراء ضروري لتفادي الانقطاع في توريد الأدوية المستوردة، وتمكين المؤسسات الدوائية من تغطية الارتفاع العالمي في الأسعار وتكاليف النقل والشحن. ويؤكد المسؤولون أن هذه الزيادات تظل محدودة وتهدف في المقام الأول إلى حماية منظومة التزويد بالأدوية من الانهيار.
إلا أن هذه الزيادات لم تلقَ قبولًا عامًا، حيث عبّر العديد من أصحاب الأمراض المزمنة وعائلاتهم عن تذمرهم من العبء المالي الإضافي، خاصة مع تآكل القدرة الشرائية في ظل ارتفاع أسعار المعيشة بشكل عام والتدهور الاقتصادي. كما أبدت بعض النقابات والجمعيات الصحية تخوفها من تأثر الفئات الهشة ومن يعانون من الأمراض المزمنة، إذ قد يضطر البعض إلى تقليص جرعات أدويتهم أو حتى الاستغناء عنها لفترات معينة.
ورغم التبريرات الرسمية، يطرح هذا الوضع من جديد أزمة المنظومة الصحية ككل في تونس، ومدى تماسك سياسة دعم الدواء في ظل الظروف المالية الصعبة. ويرى بعض المراقبين أن الحلول الوقتية كاللجوء إلى رفع الأسعار قد تؤمّن وفرة الأدوية بشكل مؤقت، لكنها لا تعالج جذور المشكل المرتبط أساسًا بتمويل المنظومة الصحية وإعادة هيكلة إدارة ملف الأدوية وضمان حق المواطن في الحصول على علاجاته الأساسية بأسعار مقبولة.
في النهاية، تبقى تساؤلات شديدة مطروحة حول قدرة السياسات الحالية على حماية مصالح المرضى، وكيفية التوفيق بين ضرورة تواصل الإمدادات الصحية وكلفة الأدوية في ظل أزمة مالية طويلة الأمد، بما يستدعي حلولاً استراتيجية تعيد بناء الثقة في نظام الصحة العمومي وحق الجميع في العلاج.
