قانون الشيكات الجديد في تونس: إصلاحات مالية أم بوابة لهدر الموارد؟
مع بدء تنفيذ قانون الشيكات الجديد في تونس، شهد القطاع المالي موجة من التغييرات أثارت ردود فعل متباينة بين المهنيين والمواطنين. فبينما كان الهدف المعلن من التعديلات هو تعزيز شفافية التعاملات المالية والحد من مخاطر الصكوك بلا رصيد، إلا أن تفاصيل التطبيق العملي فتحت باب النقاش حول آثار جانبية غير متوقعة، أبرزها إتلاف دفاتر شيكات كاملة قبل استخدامها، ما تسبب في نقاش واسع حول الهدر المالي وأعباء إضافية على المؤسسات والأفراد.
ينص القانون الجديد على تحديد صلاحية كل دفتر شيكات بمدة زمنية معينة لا تقل عن ستة أشهر، مع وجوب تدوين تاريخ انتهاء هذه الصلاحية أسفل كل ورقة شيك. هذا التنظيم، رغم قيمته من ناحية الحوكمة والتتبع، أدى فعليًا إلى حالات عديدة يُضطر فيها مستخدمو الشيكات إلى إتلاف دفاترهم أو أجزاءٍ منها لأنها تجاوزت الأجل المسموح به، خصوصًا في سياق تغير أنماط الدفع وتوجه العديد نحو وسائل إلكترونية أكثر مرونة وأقل تكلفة.
من جهة أخرى، ألغى القانون العقوبات الجزائية التلقائية على إصدار شيكات دون رصيد، مركزًا العقوبات على القيم المالية الكبرى ومشددًا اعتماد البنك على ملاءة العميل. ويظل هذا التغيير محل جدل بين من يراه خطوة ضرورية لتشجيع الاستثمار والمرونة المالية، وبين من يحذر من إمكانية ارتفاع حالات الفوضى أو التلاعب بالشيكات.
تواجه المؤسسات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، إشكالا في إدارة مواردها المالية عندما تُفرض عليها مواعيد صارمة لانتهاء الشيكات مما يؤدي غالبًا إلى إتلاف أوراق مالية سليمة وغير مستخدمة، أي تحويلها مباشرة إلى كلفة ضائعة تتراكم مع الوقت. كما تعرض بعض الجمعيات المهنية إلى مخاوف من اتجاه البنوك إلى تحميل العميل أعباء مالية إضافية لاستخراج دفاتر شيكات جديدة كل مرة تنتهي فيها المدة القانونية، ما يفاقم من تداعيات القانون على النشاط الاقتصادي.
يبقى السؤال المطروح بقوة: هل جاءت هذه التعديلات حقًا لضبط المنظومة المالية فقط، أم أنها أفرزت مشكلات جديدة في الحياة اليومية للمتعاملين بالشيكات؟ وتبقى الحاجة إلى مراجعة دورية للتشريعات المالية قائمة لتفادي تحوّل الإصلاحات إلى مصدر للثقل الاقتصادي بدلاً من دفع عجلة النمو والاستقرار.
