استراتيجيات متجددة في مشروع قانون المالية لسنة 2027: الأولويات والتغييرات الكبرى
يشهد مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة جديدة في التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة التونسية. برزت فلسفة مختلفة في إدارة السياسات المالية، حيث لم يعد التركيز منصبّاً فقط على ضبط التوازنات التقنية والتعامل مع الأزمات الظرفية، بل اتجهت الجهود بشكل لافت نحو بناء اقتصاد قوي وأكثر مرونة، وتعزيز مفهوم “السيادة الاقتصادية” ضمن رؤية تنموية على المدى المتوسط تمتد بين 2026 و2030.
من بين أهم الملامح التي تطبع هذا التحول التركيز على إصلاح منظومة الدعم، إذ تم تصميم سياسات تهدف إلى إعادة توجيه الدعم لمستحقيه الفعليين وتخفيف الضغوط على ميزانية الدولة. كما برزت توجهات واضحة نحو ترشيد النفقات العمومية، خاصة نفقات التسيير، حيث يوصي مشروع القانون بحصر نسبة نمو النفقات في حدود 3 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية، وذلك في إطار المحافظة على الاستقرار المالي وعدم التوسع غير المدروس في المصاريف.
ولم تغفل الوثيقة المالية لسنة 2027 مسألة تحفيز الاستثمار باعتباره الرافعة الرئيسية لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق مواطن الشغل الجديدة. لذلك، تتضمن التوجهات المعلنة في المشروع حزمة من الإصلاحات والإجراءات التي تستهدف رفع جاذبية مناخ الأعمال وتبسيط إجراءات الاستثمار وتوفير الحوافز الضرورية لدفع القطاع الخاص للعمل والإنتاج.
ويضاف إلى هذه السياسات آليات لمواصلة مشاريع البنية التحتية ودعم القطاعات الإنتاجية التي تمثل ركائز خطط التنمية المستقبلية، في إطار حوكمة رشيدة تضمن التوازن بين البعد الاقتصادي والاجتماعي وتحافظ على التزامات الدولة تجاه الفئات الهشة ومحدودة الدخل.
إن هذه الاستراتيجيات الجديدة تعكس رغبة الحكومة في تبني حلول متطورة وأكثر استدامة للأزمة الاقتصادية، وتؤسس لتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية عبر مقاربات إصلاحية متكاملة تضع المواطن في قلب السياسات العامة.
