بورصة القوارير: كيف أصبح الماء المعلب ضرورة في حياة التونسيين؟

لم يعد الحصول على الماء المعلب في تونس رفاهية أو خيارًا مؤقتًا في مواجهة انقطاعات مياه الحنفية، بل تحوّل إلى جزء أساسي من الحياة اليومية لمعظم الأسر التونسية، وأصبح سوقًا ضخمًا تدور فيه مئات الملايين من الدنانير.

خلال صيف 2026، عانت تونس من موجات حرّ شديدة واكبتها اضطرابات متكررة وانقطاعات في شبكة توزيع المياه والكهرباء، بحسب تقارير إعلامية متعددة. هذه الظروف دفعت المواطنين إلى التهافت على قوارير المياه المعدنية، حتى تحولت مشاهد الطوابير أمام نقاط البيع إلى عادة يومية في العديد من الأحياء.

ورغم أن الكثير من عيون المياه في تونس لا تزال تمد البلاد بأغلب احتياجاتها من المياه المعدنية، إلا أن ندرة القوارير في نقاط البيع ارتبطت بعوامل تجاوزت مجرد الإنتاج، لتشمل مشاكل في التخزين، وصعوبات التوزيع والنقل، وارتفاع الطلب بشكل استثنائي، خاصة في الفترات التي تجاوزت فيها درجات الحرارة 45 درجة مئوية في بعض المناطق.

ووفق بيانات رسمية ودراسات حديثة، بلغت كمية استهلاك التونسيين من المياه المعلبة حوالي 3.2 مليار لتر في عام 2022، ما يعكس توسعًا هائلًا لهذا القطاع بالمقارنة مع سنوات سابقة. ويُقدَّر معدل استهلاك الفرد بنحو 241 لترًا سنويًا، وفق معطيات الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه.

الثقة المهتزة في جودة مياه الشبكة العمومية وتكرار الانقطاعات دفعت الأسر للاعتماد شبه الكامل على القوارير، رغم ارتفاع أسعارها وحدة المنافسة بين العلامات التجارية المنتجة. وقد تدخلت السلطات العامة خلال الأزمات لضخ كميات إضافية وإشراف الفرق الرقابية للحد من المضاربة ومراقبة الأسعار، خاصة بعد أن شجع ضعف التوزيع والجفاف بعض التجار على الاحتكار والمغالاة في الأسعار.

خبراء في مجال المياه يعتبرون أن سوق المياه المعلبة في تونس يعكس هشاشة المنظومة المائية بشكل عام، إذ اتسع القطاع الصناعي لهذا المنتج ليشمل مئات الشركات والعلامات التجارية، فيما بلغ رقم المعاملات فيه قرابة مليار دينار سنويًا.

ورغم ما توفره هذه السوق الضخمة من فرص استثمار وتشغيل، إلا أن الاعتماد المتزايد على القوارير يمثل ناقوس خطر حول مستقبل الأمن المائي في تونس، ويطرح تساؤلات حول ضرورة إصلاح منظومة توزيع المياه العمومية وتحديث البنية التحتية، حتى لا يبقى التونسي أسيرًا لقارورة لا غنى عنها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *