تفاقم أزمة المياه يدفع التونسيين إلى استهلاك قياسي للقوارير المعبأة

شهدت تونس في السنوات الأخيرة تحولات جذرية في نمط استهلاك المياه، حيث لم تعد القارورة المعبأة مجرد حل بديل في أوقات انقطاع الماء، بل أصبحت الملاذ شبه الدائم لغالبية الأسر. ساهمت عوامل عديدة في هذا التحول أبرزها فقدان الثقة في جودة مياه الحنفية العمومية وارتفاع ملوحتها، إضافة لتهالك شبكة التوزيع وتكرار الانقطاعات، وهو ما دفع أغلب المواطنين للاعتماد على المياه المعبأة في حياتهم اليومية.

تشير الإحصائيات الحديثة إلى أن سوق المياه المعلبة في تونس بات من أضخم الأسواق في المنطقة، حيث بلغ حجم الاستهلاك سنة 2022 نحو 3.3 مليار لتر تقريبًا، وقفز متوسط استهلاك الفرد السنوي إلى أرقام قياسية، جعلت تونس تحتل المرتبة الرابعة عالميًا في هذا المجال حسب تقارير اختصاصية. وتعود هذه الطفرة إلى موجات الجفاف المتتالية وارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق، ما يزيد من معاناة التونسيين في الحصول على مياه صالحة للشرب.

هذا الطلب المتسارع أدى إلى مشاهد غير مألوفة في الفضاء العام: اصطفاف المواطنين أمام محال بيع المواد الغذائية بانتظار وصول شحنات المياه المعبأة، وظهور سوق سوداء بسبب النقص المتكرر في الإمدادات. كما شهدت الأسواق انخفاضًا في المعروض وارتفاعًا في الأسعار، وأحيانًا مضاربات على القوارير، ما دفع وزارة التجارة والإدارات المختصة إلى تكثيف المراقبة وتحديد الأسعار وضخ ملايين القوارير في العاصمة والمناطق المجاورة لمواجهة الأزمة.

تفسر الغرفة الوطنية لصانعي المشروبات غير الكحولية هذا الوضع بزيادة الطلب بنحو 30% خلال شهور الصيف مقابل معدلات استهلاك المواسم السابقة، وهو ارتفاع فاق قدرة وحدات الإنتاج، خاصة مع تسجيل انقطاعات كهربائية ساهمت في تعطل العديد من المصانع.

ومع هذا الإقبال القياسي، ازدادت مخاوف المجتمع المدني حول الأثر البيئي لتنامي استهلاك البلاستيك، في ظل غياب حلول دائمة لضمان جودة المياه العامة أو تحديث البنية التحتية القائمة. وتبقى أسئلة كثيرة مطروحة حول مدى استمرار هذا الاعتماد الكبير على قوارير الماء، ومن المستفيد الحقيقي من سوق بالمليارات.

بهذا المشهد، تحولت رحلة البحث عن قارورة ماء لدى آلاف التونسيين إلى جزء من حياتهم اليومية، وسط آمال بإصلاحات جذرية تضمن للمواطن كرامة الشرب وجودة المياه دون الحاجة إلى علب بلاستيكية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *