حكاية راية تونسية من قلب التاريخ: شاهد على المحن والنضال
تخفي بعض الأعلام بين طياتها قصصاً تتجاوز كونها مجرد قطعة قماش ترفرف في السماء، إذ تحمل معها عبق الماضي وتروي فصولاً من ذاكرة الشعوب. ومن بين هذه الأعلام الخالدة، يبرز علم تونسي نادر ارتبط بمرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، وتحديداً خلال فترة الاحتلال الفرنسي لمدينة سوسة.
في عامٍ حاسم من أواخر القرن التاسع عشر، وبعد معارك دامية اجتاحت مدينة سوسة، تمكن الجيش الفرنسي من الاستيلاء على المدينة في خضم أحداث الحماية الفرنسية على تونس. وخلال سيطرتهم على المدينة، وقعت بين أيديهم راية تونسية اعتلاها الكبرياء الوطني وسط صمود المدافعين. وبالرغم من بساطة تفاصيل العلم، إلا أنه أصبح رمزاً للهزيمة المؤقتة ولمرحلة قاسية عاشها التونسيون، حيث جُردت البلاد من سيادتها، وباتت أعلامها تضاهي في رمزيتها قصص المقاومة والأمل في استعادة الحرية.
لقد بقي هذا العلم المأخوذ من سوسة أحد الشواهد الأثرية على تلك المرحلة، فهو لا يروي قصة سقوط مدينة فحسب، بل يعكس عزيمة شعب لم يقبل بالانكسار، ويمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية الجماعية. فمع احتلال سوسة، لم تكن السلطة الاستعمارية تسعى فقط للاستيلاء على الأرض، بل حاولت أيضاً طمس الرموز الوطنية التي كانت تثير في نفوس الأهالي روح المقاومة والتمسك بالهوية.
ولم يكن علم تونس خلال فترة الحماية الفرنسية يختلف جوهرياً عن ما سبقه، لكن مصادر تاريخية تشير إلى وجود نسخ من العلم أضيفت إليها علامة فرنسية في بعض الأحيان، في محاولة لإقرار الوجود الاستعماري، إلا أن العلم التونسي ظل في جوهره رمز السيادة والوحدة.
صورة ذلك العلم القديم تُعيد إلى الأذهان حكايات زمن مضى كانت فيه تونس تصارع لعقود طويلة للبقاء حرة مستقلة. وهي تذكّر الأجيال القادمة بأن وراء كل رمز وطني قصة تضحيات وملاحم يستحق سردها، كي تبقى الذاكرة حية في وجدان الأمة.
إن ملامح هذا العلم، المُحتفظ به حتى اليوم في أروقة المتاحف الوطنية أو حتى في أرشيفات أجنبية، ليست مجرد أثر تاريخي، بل رسالة خالدة تعبّر عن تمسك التونسيين بحقهم في الحرية والكرامة، وتذكير دائم بأن الشعوب لا تُقاس بما فقدت من أراضٍ في لحظة ما، بل بقدرتها على استعادة هويتها وكتابة تاريخ جديد من الأمل والصمود.
