«روضة المهاجرين» في جرجيس: شاهد إنساني على مأساة البحر
في أقصى الجنوب التونسي، على شواطئ مدينة جرجيس، نسج الفنان الجزائري رشيد قريشي مبادرة ذات بعد إنساني نادر، إذ أنشأ مقبرة فريدة تحمل اسم «روضة إفريقيا» لتكون ملاذًا أخيرًا للأجساد التي لفظها البحر دون هوية، بعدما أنهكتها رحلة الأمل عبر أمواج البحر المتوسط صوب أوروبا.
تعكس هذه المقبرة وجهًا آخر من وجوه الهجرة غير النظامية في تونس، حيث تكثر المأساة على الشواطئ مع وصول جثث المهاجرين الذين لم تكتب لهم النجاة. وبدل أن تظل هذه الجثث مجهولة أو مدفونة في مقابر عشوائية بلا أسماء، جاءت فكرة قريشي لتخليد ذكراهم في مكان يليق بكرامتهم الإنسانية.
اختير موقع «روضة إفريقيا» على قطعة أرض مساحتها 2500 متر مربع في مدينة جرجيس، ليحتضن قرابة 500 قبر مجهز. وقد صُمِّمت المقبرة بعناية تليق بمكانة من يرقدون فيها، فبابها الرئيس يعكس الطراز المعماري التونسي العريق من القرن السابع عشر، بينما تغطي أرضية الممرات بلاطات سيراميكية مزخرفة يدويًا. يقوم كل شاهد قبر بدور رمز لإنسان فقد اسمه، لكن لا يغيب عن التضامن الإنساني.
المبادرة جاءت بعد أن اكتشف القريشي قلة الاهتمام بمصير الجثث التي يعثر عليها في البحر، تلك التي أبعدها الإهمال عن أي تكريم حتى في لحظة الوداع الأخيرة. ولم يكتف القريشي بجمع الأموال وتشييد المقبرة فحسب، بل سعى كذلك إلى تحويل هذا المكان إلى منارة للتأمل وأيقونة للتذكير بقساوة طريق الهجرة.
تسعى «روضة إفريقيا» اليوم ليس فقط إلى احتضان أرواح الغرقى، بل أيضًا إلى دعوة الشعوب والمجتمعات لتجديد الإنسانية في التعامل مع قضايا اللجوء والهجرة. لقد حولت هذه المبادرة مسار الموتى المجهولين من قسوة النسيان إلى حميمية الذاكرة والعناية، ورسّخت جرجيس كوجهة للترحم والتضامن مع أحلام لم تصل إلى بر الأمان.
