شراكة اقتصادية متباينة: الصين وتونس بين الطموحات والواقع
شهدت العلاقات بين تونس والصين تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة على المستوى الاقتصادي والتجاري، حتى أصبحت الصين من أبرز الشركاء التجاريين لتونس. غير أن هذا التقارب يُخفي في طياته تباينًا كبيرًا بين حجم الطموحات وما تحقق فعليًا على أرض الواقع، خاصة عند مقارنة علاقات تونس مع الصين بنظيرتها مع دول الاتحاد الأوروبي.
وفقًا للبيانات الرسمية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين تونس والصين حوالي 9.2 مليار دينار تونسي خلال سنة 2024، في حين لم تتجاوز قيمة الصادرات التونسية إلى السوق الصينية 260 مليون دينار سنة 2023، مما يعكس وجود عجز تجاري كبير لصالح الصين. كما أن مساهمة العجز في المبادلات التجارية مع الصين قد ارتفعت إلى قرابة 50% من إجمالي العجز التجاري لتونس، ما يثير تساؤلات حول مدى الاستفادة الحقيقية من هذه الشراكة الاقتصادية.
أما على مستوى الاستثمار، ورغم الحديث المتكرر عن رغبة بكين في تعزيز حضورها في تونس، إلا أن حجم الاستثمارات الصينية يبقى متواضعًا مقارنة مع شركاء تقليديين على غرار فرنسا. فبينما لم تتجاوز الاستثمارات الصينية في تونس 34 مليون دولار في السنوات الأخيرة، بلغت قيمة الاستثمارات الفرنسية نحو 2.4 مليار دولار، ما يجعل فرنسا الشريك الاستثماري الأول لتونس بفارق كبير.
يمكن القول إن العلاقات التونسية الصينية تظل رهينة للعامل التجاري أكثر منه للاستثمار والتصنيع، إذ تقتصر في معظمها على الاستيراد من الصين وخاصة المنتجات الميكانيكية والكهربائية ووسائل النقل وقطع الغيار، مع صعوبة نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الصينية. في المقابل، تظهر أهمية أوروبا، وخصوصًا فرنسا، ليس فقط في التجارة والاستثمار ولكن أيضا في مجال نقل التكنولوجيا ودعم تحديث القطاعات الإنتاجية وتوفير فرص العمل.
رغم طموحات تونس لتنويع شركائها التجاريين وجذب الاستثمارات الصينية، إلا أن أوروبا لا تزال المصدر الأول للصادرات التونسية وأهم شريك في قطاعات عديدة مثل السياحة والصناعة. وفي هذا السياق، يبدو أن القوة الاقتصادية للصين وحدها لا تكفي لجعلها بديلا حقيقيا عن أوروبا بالنسبة لتونس، خاصة في ظل الترابط القوي بين الاقتصاد التونسي والاقتصاديات الأوروبية.
في الختام، يمكن تلخيص واقع الشراكة بين تونس والصين بأنها “شراكة غير متوازنة”، إذ تستفيد الصين من موقعها كمصدر رئيسي للسلع في السوق التونسية، بينما تبقى استفادة تونس محدودة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في أولويات التعاون مع بكين والتفاوض لرسم علاقات أكثر عدالة وتوازنا بين الطرفين.
