قاضٍ تونسي ينتقد خيارات الحكومة في مسار العدالة الانتقالية ويؤكد: الحلول القانونية كانت متاحة

أثار القاضي محمد العيادي، المعروف بدوره ومشاركته الفاعلة في اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد بتونس، جدلاً مهماً بشأن المسارات القانونية التي انتهجتها الدولة التونسية في معالجة ملفات العدالة الانتقالية، وخاصة ما تعلق بقضايا التحكيم والمصالحة. وأكد العيادي أن الدولة لم تكن مضطرة إلى السير في الطريق الذي اختارته وأن خيارات قانونية أخرى كانت متاحة وممكنة كان من شأنها أن تقي تونس العديد من التعقيدات التي عرفتها في هذا المسار.

وفي مداخلة إعلامية حديثة، تساءل العيادي حول ما إذا كانت الحكومة قد استنفدت فعلاً جميع الآليات التي يمنحها لها الإطار القانوني الوطني والدولي قبل الانخراط في تجربة التحكيم والمصالحة كما تمت، متسائلاً:
“هل قامت مؤسسات الدولة بمراجعة شاملة للبدائل القانونية المتوفرة، أم أن هنالك اعتبارات سياسية أو ظرفية دفعت إلى اعتماد هذا الخيار؟”

وأشار العيادي إلى أن قوانين العدالة الانتقالية وُضعت في الأساس لتحقيق مصالح البلاد عبر كشف الحقائق والمحاسبة، جنباً إلى جنب مع إيجاد صيغ للإنصاف الفردي والجماعي. وأضاف أن تطبيق تلك القوانين يتطلب شفافية في الإجراءات وحسن استثمار الأدوات القانونية، لا الاقتصار على المعالجات السطحية أو الانجرار وراء الضغوطات والمواءمات السياسية.

وأبرز القاضي أن المرحلة الانتقالية في تونس شهدت تسرّعاً في اتخاذ بعض القرارات الحاسمة دون العودة بشكل كافٍ إلى دراسة تجارب مشابهة في دول أخرى، أو حتى تقييم الإمكانيات القانونية الكاملة المتاحة داخل المنظومة التشريعية الوطنية. وشدد على أن تجاوز الدولة لبعض الخطوات الجوهرية أو تهميش المقترحات القانونية التي طرحتها لجان وخبراء مختصون كان له دور في تعقيد ملف التحكيم والمصالحة بدل تسهيله وحلّه نهائياً.

وأكد العيادي في ختام حديثه أن من حق الشعب التونسي أن يتساءل حول جدوى مسار العدالة الانتقالية بالصورة التي تم اعتمادها، داعياً إلى مراجعة جريئة وشاملة للخيارات القانونية والاستفادة من دروس الماضي لتفادي تكرار نفس الإشكاليات في المستقبل. كما شدد على أن الإصلاح الحقيقي يمر عبر احترام القانون وتغليب منطق المصلحة الوطنية على المناورات السياسية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *