لماذا يتحمل المستهلك التونسي تكلفة زجاجات المشروبات مرتين؟
في تونس، يلاحظ كثيرون من المستهلكين أنهم يدفعون مبالغ غير قليلة عند اقتنائهم قارورة من المياه المعدنية أو العصائر أو المشروبات الروحية المعبأة في زجاج. ولكن ما قد يغيب عن الأذهان هو أن ثمن الزجاجة غالبًا ما يكون جزءًا مهمًا من المبلغ المدفوع، حيث يضاف إلى سعر السائل نفسه. إلا أن القصة لا تنتهي هنا. فعلى الرغم من دفع ثمن الزجاجة الجديد، إلا أنها بعد استهلاك السائل تتحول فقط إلى نفايات لا قيمة لها أو تلقى في حاويات القمامة دون استفادة مالية للمستهلك الذي دفع أصلاً ثمنها.
تعتمد شركات تصنيع المشروبات عادةً سياسة احتساب تكلفة القارورة الزجاجية ضمن السعر النهائي للمنتج. ففي ظل غياب منظومة فعّالة لاسترجاع الزجاجات أو نظام تعويض يُمكّن المستهلك من استرجاع جزء من قيمتها عند إعادتها، تصبح الزجاجات مصدر إنفاق متكرر. هذا النموذج التجاري يمنح الشركات هامش ربح إضافي، إذ لا تلتزم كثير منها بإعادة شراء الزجاجات أو تدويرها مباشرة من المستهلكين.
على الرغم من الأهمية البيئية للاعتماد على الزجاج مقارنة بالبلاستيك، إلا أن مشكلة النفايات الزجاجية تتفاقم في تونس. فعدم وجود نظام لإعادة التدوير أو جمع الزجاجات المستهلكة يقود إلى تراكمها في الشوارع والمكبات، مما يشكل خطراً بيئياً وصحياً، ناهيك عن الخسارة الاقتصادية.
بيّنت تقارير اقتصادية أن صناعة الزجاج في تونس تشهد نمواً متسارعاً في السنوات الأخيرة، مدفوعة بحاجة شركات التعبئة والتغليف المحلية إلى حلول أكثر أماناً وأطول عمراً من البلاستيك. غير أن هذا النمو يرافقه عبء مالي ومعنوي على المستهلك التونسي، الذي لا يجد مقابلًا لاستثماره المستمر في ثمن الزجاجات.
الحل الأمثل الذي أثبت نجاحه في دول عديدة كان تطبيق أنظمة تعويض عند إعادة القوارير، سواء عن طريق خصم جزء من السعر المسترجع أو نظام الودائع المالية. هذه المنظومة تشجع المستهلكين على إرجاع الزجاجات وتدعم مبادرات إعادة التدوير، مما يسهم في الحفاظ على البيئة وتقليل العبء المالي.
يبقى المستهلك في تونس اليوم الحلقة الأضعف في سلسلة بيع المشروبات المعبأة في الزجاج، يدفع ثمن الزجاجة مرتين: مرة عند الشراء وأخرى لدى رميها بلا مقابل. وبين غياب التشريعات أو التشجيع الحقيقي لاسترجاع الزجاجات، يظل التساؤل قائماً: متى تتغير هذه المعادلة لصالح المواطن والبيئة؟
