مبنى الكوليزي: إرث معماري مهدد بالنسيان في وسط تونس
في قلب العاصمة التونسية، وتحديداً على شارع الحبيب بورقيبة، يقف مبنى الكوليزي شاهداً صامتاً على حياة وأزمنة مضت، تحكي ملامحه قصص أجيال صنعت صورة المدينة وتاريخها. صُمم هذا المبنى الراقي في أوائل الثلاثينيات (1931-1932) على يد المعماري الإيطالي جوزاف كانينو ليكون علامة بارزة في العمارة متعددة الاستخدامات. كان الكوليزي قلباً نابضاً للحياة الاجتماعية والثقافية؛ فقد احتضن داخله مقاهي ومثّل ملتقى للنخبة وزوار المدينة، كما ضم محلات راقية وممرات كانت تشهد على صخب الشارع وأناقته.
لم يكن الحضور المكثف لهذا الصرح مجرد صدفة، بل كان انعكاساً لجاذبية شارع الحبيب بورقيبة الذي استمد اسمه الحالي بعد الاستقلال، وقد كان يُعرف خلال الحماية الفرنسية بشارع جول فيري. أصبح الكوليزي واحداً من أبرز معالم الشارع، يُقصد إليه سكان العاصمة والسائحون للتمتع بعمارته ومرافقه الباذخة.
مرت العقود، وتغيرت ملامح المدينة وأنماط عيشها، فشهد الكوليزي تراجع دوره وضياع جزء من سحره. اليوم، يبدو هذا المبنى أقل حضوراً في وعي الأجيال الجديدة، حيث خفت بريق محلاته وقلّت حركة رواده، وبدأت طبقات الغبار والزمن تُخفي تفاصيله الدقيقة. ومع ذلك، ما زال الكوليزي يحتفظ بقيمة رمزية لدى محبي التراث والعاصمة.
تثير حالة الكوليزي تساؤلات حول مصير المباني التاريخية في تونس ومستقبل ذاكرة المدينة. فالحفاظ على معالم كتلك لا يهم فقط لجمالها المعماري، بل لأنها تجسد ذكريات وتجارب أجيال متعاقبة، وتروي حكاية التحول بين القديم والجديد. وبين جدران الكوليزي وأروقته، تختبئ أسرار المدينة وأحلامها، بانتظار مبادرات تحافظ عليها وتعيد إليها نبض الحياة.
