معضلة التشغيل في تونس: استغلال المتدربين بين الحاجة والالتفاف على القانون
يشهد سوق الشغل التونسي في السنوات الأخيرة ظاهرةً متزايدة تتمثل في استغلال المتدربين (المتربصين) داخل العديد من المؤسسات، حيث باتت هذه الفئة العمّالية عرضة لاستبدال ممنهج ودوري يغذّيه غياب التشريعات الرادعة وآليات الرقابة الكافية. فبعد أن كان التدريب بمثابة خطوة أولى وضرورية نحو إدماج الشباب في الحياة المهنية، تحوّل لدى بعض المؤسسات العامة والخاصة إلى وسيلة للحصول على يدٍ عاملة مؤهلة بتكلفة منخفضة ودون التزامات تعاقدية كبيرة.
وتتكرّر القصة نفسها: يُقبل المتربص الشاب بنية اكتساب الخبرة أملاً في الانتداب النهائي، يُسند إليه العمل الفعلي في الإدارة أو التقنية أو حتى الوظائف الحساسة، ثم يُعوض بمتربص آخر عند حلول موعد تسوية وضعيته، ليجد نفسه خارج المؤسسة من دون أي حقوق تذكر. وتستمر الدورة بنفس الشكل، ما أدى إلى موجة استياء واسعة في صفوف الشباب وانعدام الثقة في جدوى التدريب نفسه كمفتاح للعمل.
وترتفع أصوات كثيرة مطالبة بضرورة حماية حقوق هؤلاء الشباب ومنع الشركات والمؤسسات من استغلال المتربصين وسد الشغورات عبرهم بشكل دائم. ويبرز الجدل بشكل خاص مع إعلان وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر في 6 أوت 2026 عن الانطلاق في إعداد “مجلة شغل جديدة”، وسط آمال بأن تتضمن نصوصًا واضحة تضع حدًا لمثل هذه الممارسات وتضمن حق المتربص في معاملة عادلة وتيسير انتدابه متى أثبت كفاءته.
تكشف المعطيات النقابية والتقارير الحقوقية أن مسألة العقود المهنية الهشة واستغلال صفة “المتدرب” للتهرب من المسؤولية القانونية أصبحت تشكل معضلة متفاقمة، خاصةً أمام الارتفاع المتواصل لمعدلات البطالة وصعوبة النفاذ لسوق العمل. وتُشير بعض المبادرات التشريعية إلى توجهٍ جديد صارم نحو تنظيم عقود الشغل، ومنع كافة أشكال المناولة التي تحرم آلاف الشباب من الحد الأدنى للاستقرار المهني.
ويترقب الجميع ما ستسفر عنه المشاورات حول المجلة الجديدة، ومدى التزام السلطات والسياسيين بوضع معايير صارمة تلزم الشركات بفتح باب الانتداب وخطوات الإدماج الفعلية بدلاً من الاكتفاء بدوامة التدريب المتجدّد. وبين التطلعات المشروعة للشباب وضغوط السوق وشروط التنمية، يبقى الرهان الأساسي هو إيجاد توازن عادل يمنع الاستغلال ويعيد للتدريب قيمته في بناء المسار المهني وتنمية الاقتصاد الوطني.
