نزيف العقول: الأسباب والتداعيات الاقتصادية لهجرة المهندسين من تونس

تشهد تونس في السنوات الأخيرة موجة لافتة من هجرة المهندسين نحو الخارج، ظاهرة لم تعد تقتصر على حالات فردية بل تحولت إلى نزيف مؤرق يهدد مستقبل الاقتصاد الوطني وديناميكيته. إذ أفادت التقارير الرسمية بمغادرة قرابة 45 ألف مهندس تونسي البلاد خلال العقد الماضي، وهو رقم مثير للقلق ويكشف عن حجم الأزمة المتزايدة.

تتعدد أسباب رحيل الكفاءات الهندسية من تونس، إذ تكمن أهم الدوافع في محدودية المشاريع والاستثمارات المحلية وتقلص فرص التشغيل الملائمة لطموحاتهم. كما يشتكي الكثير من المهندسين من تدني الأجور مقارنة بما توفره الشركات الأجنبية، خصوصاً تلك التي تستقطب أصحاب المهارات العالية من تونس بأسعار مغرية وبيئة عمل أكثر دعماً وتقديراً للإبداع والمجهود.

ولا تقتصر العوامل على الجوانب المادية فحسب، بل تمتد أيضاً لتشمل التراجع عن بعض الاتفاقيات المهمة التي كانت تهدف لتحسين وضعية المهندسين، مثل اتفاق 16 فيفري 2021 الذي ألغى زيادات في الرواتب وحوافز مهنية كانت منتظرة. أضف إلى ذلك شعور العديد من الخريجين بغياب آفاق التطوّر والتدرج الوظيفي وندرة برامج البحث العلمي الداعمة، الأمر الذي يدفعهم للبحث عن فضاءات تحقق طموحاتهم المهنية والشخصية في الخارج.

أما من ناحية التأثيرات، فإن الخسائر لا تتوقف عند الأفراد وعائلاتهم، بل يمتد أثرها إلى بنية الاقتصاد الوطني. فالمهندسون يمثلون محركاً رئيسياً للابتكار والتطور التقني والصناعي، وهجرة هذا الكم الكبير منهم تعني إفراغ البلاد من إحدى ركائز رأس المال البشري المؤهل، ما يحدّ من فرص التطور التكنولوجي والنمو الاقتصادي طويل المدى. كما يؤدي هذا النزيف إلى زيادة الفجوة بين تونس والدول الصناعية المتقدمة، إذ تستفيد هذه الدول من استقطاب الكفاءات بينما تعاني تونس من تشوّه في سوق العمل وندرة في المهارات الضرورية لمجابهة تحديات المستقبل.

يعتبر الخبراء أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إصلاحات جذرية تشمل تحسين مناخ العمل، تطوير المنظومة البحثية، وتوفير حوافز مادية ومعنوية قادرة على استبقاء الكفاءات داخل البلاد. كما ينبغي وضع سياسات وطنية تضمن دمج المهندسين في مشاريع استراتيجية تساهم في البناء الاقتصادي للبلاد، حتى تستعيد تونس مكانتها كمصدر للكفاءات لا كدولة مصدّرة للعقول.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *