هل يصبح شرب مياه الحنفية خياراً في تونس؟ تحديات الثقة والاستثمار في زمن أزمة الموارد
تشهد تونس في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في أزمة المياه، مدفوعة بتوالي فترات الجفاف وتغير المناخ وتراجع المخزون المائي، وهو ما انعكس مباشرة على نمط حياة المواطنين. في مواجهة هذا الوضع الصعب، أصبح اقتناء المياه المعلبة عادة يومية في بيوت كثيرة، رغم التكلفة الباهظة لهذا الخيار مقارنة بموارد الأسرة التونسية.
تُشير تقارير رسمية إلى أن الطلب على المياه المعلبة ارتفع بشكل لافت خلال الصيف، خصوصاً مع تسجيل موجات انقطاع الماء الصالح للشرب في جهات واسعة من البلاد وظهور النقص الحاد في توفر المياه المعدنية بالأسواق، الأمر الذي زاد من حالة القلق بين المواطنين. هذا يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يظل شرب مياه الحنفية خياراً ثانوياً في تونس، رغم أن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه “الصوناد” تنتج فعلياً كميات ضخمة من الماء وتغطي عبر أكثر من أربعين إقليما معظم المناطق التونسية؟
يعتقد عديد من التونسيين أن مياه الحنفية غير ملائمة للشرب بسبب الشكوك حول جودتها ورواسبها أحياناً، رغم التطمينات المتكررة التي تقدمها الجهات الرسمية بانّها تستجيب للمعايير الصحية وتخضع لمراقبة دورية. فعلى الرغم من عدم تسجيل مشكلات صحية خطيرة ناتجة عن مياه الحنفية بتونس، إلا أن غياب ثقة المواطنين في منظومة التوزيع المائي، خاصة في ظل تهالك الشبكات القديمة وتكرار الانقطاعات، أدّى بهم للاعتماد شبه الكلي على المياه المعبأة عند الشرب.
هذه المعادلة تثير تساؤلًا حول أولويات الاستثمار العمومي: إذا كانت تونس تنفق مليارات سنوياً على استيراد أو إنتاج المياه المعلبة، ألا يكون من المجدي استثمار جزء مهم من هذه الأموال في تحديث شبكة المياه العمومية وتنقية مياه الحنفية وجعلها أكثر ملائمة وقبولا لدى المواطن، تماماً كما هو الحال في كثير من الدول؟
الصوناد قامت مؤخراً بعدة مشاريع لتحسين جودة الخدمات وتوسعة شبكة المياه، وتسعى نحو تقليص نسب الفاقد وتعزيز التمويلات عبر التعاون مع مؤسسات مالية دولية، كما تشير مسؤولوها. لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق التوازن بين الطلب المتزايد وثقة المواطن في مياه الحنفية، في ظل التحديات البيئية والمالية المتزايدة.
في انتظار حلول جذرية ومستدامة، تبقى قضية استهلاك المياه في تونس مرآة تعكس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويظل تحسين جودة وتوزيع مياه الحنفية أحد أكبر الرهانات على طريق تحقيق أمن مائي يليق بتطلعات التونسيين.
