هوس التونسيين بالمياه المعلبة: من فقدان الثقة بالصنبور إلى طوابير البحث عن قارورة

في السنوات القليلة الماضية، برزت ظاهرة اكتساح قوارير المياه المعلبة أسواق تونس بشكل لافت، وتحولت من بديل استثنائي وقت عطش الحنفيات، إلى ضرورة يومية بالنسبة لقطاع عريض من المواطنين. مع كل ارتفاع في درجات الحرارة أو تسجيل تعكرات في مياه الحنفية، تنتشر القوارير البلاستيكية في كل مكان وتتعالى شكوى الناس من صعوبة الحصول عليها أحياناً، وهذا يعكس أزمة ثقة عميقة في شبكة الماء العمومي.

ارتفع معدل الاستهلاك السنوي للفرد في تونس ليبلغ نحو 241 لتراً من المياه المعبأة سنة 2024، بعدما كان في حدود 225 لتراً سنة 2020، لتسجل تونس بذلك أحد أعلى معدلات الاستهلاك في العالم (الرابع عالمياً). في 2025، أكدت بيانات رسمية أن البلاد استهلكت نحو 2.1 مليار لتر خلال تسعة أشهر فقط، أي بما يفوق 3 مليارات لتر سنوياً. ومع دخول صيف 2026، تكررت مشاهد الطوابير أمام نقاط توزيع القوارير بسبب ذروة الطلب وتراجع المخزونات.

لكن ما الذي غيّر عادات التونسيين بهذا الشكل؟ السبب الأول بلا منازع هو فقدان الثقة في جودة مياه الحنفيات، خاصة مع ارتفاع نسبة الملوحة وتكرار الشكاوى المتعلقة بالطعم والرائحة. عوامل أخرى ضاعفت من هذا العزوف الجماعي: تهالك شبكات التوزيع وقدم تجهيزاتها، موجات الحر والجفاف المتواصلة وشح الموارد، وأخيراً اضطرابات متكررة في توزيع الماء والكهرباء تُعطل أحياناً حتى مصانع تعبئة المياه.

هذه التحولات خلقت إمبراطورية اقتصادية حول الماء المعلب، تدر سنوياً مئات الملايين من الدنانير وتستفيد منها عشرات الشركات العاملة في القطاع، لكنها تضع أعباء مالية ثقيلة على الأسر محدودة الدخل وتجعل مشهد العطش أو البحث عن القارورة أمراً اعتيادياً في روتين اليومي للتونسيين. وفي غياب سياسة واضحة لتحسين جودة ماء الشبكة العمومية وتوعية المستهلك، يبدو أن السوق ستسجّل زيادات متتالية في الاستهلاك في السنوات المقبلة وأن زجاجات المياه لن تغادر الموائد قريباً.

هكذا إذن، أصبح العطش في تونس وجهاً آخر لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، حولت المياه المعلبة من سلعة «طوارئ» إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية، وأطلقت سباقاً دائماً بين الطلب، العرض وقلق المواطن على صحة أبنائه.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *