السلطعون الأزرق: قصة الغزو الذي غيّر مستقبل الصيد البحري في تونس

لم يكن ظهور السلطعون الأزرق في السواحل التونسية خلال التسعينيات حدثاً عادياً بالنسبة للصيادين، بل قدَّم في بداياته معضلة بيئية واقتصادية تهدد استقرار نشاطهم التقليدي. جاء هذا الكائن الغازي ليحوّل حياة آلاف العائلات في سواحل البلاد، خصوصاً في خليج قابس، من مصدر رزق مستقر إلى مواجهة مع عدوٍ مجهول لم يعرفوا كيفية التصدي له في البداية.

كان السلطعون الأزرق (Portunus segnis) يتسلل إلى الشباك ويمزقها بشراسته وقوته، ويستهلك كميات كبيرة من صيد الأسماك الأخرى، مما أدى إلى تراجع الإنتاج وصعوبات مادية واجهها الكثير من الصيادين ومعامل معالجة الأسماك. علاوة على ذلك، تسبب في تراجع الأنواع البحرية المحلية وزاد من أعباء الصيد المكلف.

ورغم الكثير من الاحتجاجات والمطالبات الرسمية لإيجاد حلول فعّالة، فإن الأزمة تحولت تدريجياً إلى فرصة. فقد أدرك المستثمرون والسلطات إمكانيات استغلال هذا المورد الجديد اقتصادياً. فبفضل تدريب ودعم منظمات دولية وجهود السلطات المحلية، تم إنشاء معامل مخصّصة لمعالجة وتصدير السلطعون الأزرق، خاصة إلى الأسواق الآسيوية التي تُقبل عليه بكثافة.

وبحلول عام 2019، أصبحت تونس تمتلك أكثر من ثلاثين مصنعاً لتجهيز السلطعون الأزرق، وبدأ المستثمرون في استقطاب الصيادين وتسريع عمليات الجمع والنقل. كما ظهرت مبادرات نسائية للاستفادة من هذا المورد عبر تأسيس تعاونيات تعنى بتنظيف وتعبئة السلطعون، ما وفر فرص عمل جديدة للنساء في المناطق الساحلية.

بلغت عائدات صادرات السلطعون الأزرق خلال سنة 2021 حوالي 75 مليون دينار تونسي، وهو رقم يؤكد مدى التحوّل الكبير من الكارثة إلى الاستثمار المربح. إلا أن هذا النجاح ليس خالياً من المشاكل؛ حيث بدأت تظهر تحديات بيئية نتيجة إلقاء مخلفات السلطعون في البحر، بالإضافة إلى مخاوف من الاستغلال الجائر وتأثيراته على التوازن البيئي مستقبلاً.

بات السلطعون الأزرق جزءاً أساسياً من أطباق المطبخ التونسي، بعد أن كان مرفوضاً من شريحة واسعة من المستهلكين. وهكذا استطاع هذا الغريب عن مياهنا أن يجد لنفسه مكاناً بين فُرص العيش في تونس، محولاً التهديد إلى مصدر دخل جديد، لكنه يطرح تساؤلات حول مصير هذا المورد فيما لو تقلبت الظروف واختفى السلطعون فجأة من سواحل البلاد.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *