تونس في قلب صراع الغاز في المتوسط: معركة حدود بحرية ترسم ملامح الطاقة والاقتصاد

تشهد منطقة البحر الأبيض المتوسط مؤخراً تصاعداً في التوترات الجيوسياسية على خلفية النزاع حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق استغلال موارد الطاقة. بعيداً عن صخب الحروب، تدور معركة صامتة بين عدة دول متوسطية، من بينها تونس، ليبيا، إيطاليا، اليونان، وتركيا، حيث يحاول كل طرف تأكيد سيادته على ثروات الغاز في أعماق البحر، ما يهدد بتحويل خطوط مرسومة على الخرائط إلى صفقات بمليارات الدولارات.

خلال الأشهر الأخيرة، قامت ليبيا بإيداع وثائق لدى الأمم المتحدة لترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط بشكل أحادي، ما أثار اعتراضات فورية من كل من تونس وإيطاليا واليونان. اعتبرت تونس أن التحرك الليبي يتعارض مع اتفاقات سابقة وحكم لمحكمة العدل الدولية صدر عام 1982 بشأن الجرف القاري بين البلدين. وأكدت في مذكرة رسمية وجهتها إلى الأمم المتحدة رفضها للخط الليبي، معتبرة أنه يمس بحقوقها السيادية ولا يتماشى مع أسس القانون الدولي للبحار.

أما إيطاليا، فقد أعربت هي الأخرى عن قلقها، مقدمة اعتراضاً على الخطوط التي أعلنتها ليبيا. وترى أثينا في موقف تونس وإيطاليا تعزيزاً لموقفها الرافض لأي اتفاق ليبي-تركي حول الحدود البحرية، وتهديداً للمصالح الإقليمية اليونانية، وهو ما يزيد من سخونة الملف ويفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تصل إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي إذا ما فشلت المفاوضات الثنائية.

هذا الملف المعقد لا ينفصل عن سباق عالمي على الطاقة، إذ تشير اكتشافات الغاز الضخمة بالمتوسط إلى إمكانية تغيير خارطة الطاقة في المنطقة، ما يجعل كل دولة تسعى جاهدة لضمان نصيبها وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية. وتبرز تركيا كلاعب مؤثر بدعمها لتحركات حكومة طرابلس في ليبيا ضد الاعتراضات الإقليمية، محاولة كسب موطئ قدم في شرق المتوسط يؤمّن لها موارد ومكانة استراتيجية.

حقل البوري النفطي، المتاخم للحدود البحرية بين تونس وليبيا، يظل نقطة خلافية منذ عقود. وما النبرة المتشددة اليوم إلا امتداد لصراع قديم حول تقاسم الثروات، متجدد مع كل تحوّل في موازين القوى الإقليمية وظهور فرص جديدة للتنقيب عن الغاز والنفط.

ورغم أن النزاع يبدو قانونياً وفنياً في ظاهره، إلا أن ملف الحدود البحرية في المتوسط تحول إلى اختبار لقوة الدبلوماسية وقدرة الأطراف على تحقيق توافق يحفظ الأمن والاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً وحساسية للطاقة. وبينما تبدو التسويات بعيدة المنال، تظل تونس في قلب المواجهة، ساعية لضمان حماية مصالحها الاقتصادية وسط صراع إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *