دعوة لإصلاح سياسة الصفقات العمومية في تونس: نحو شراء ذكي بدل الاكتفاء بالسعر الأرخص
تطرق الخبير الاقتصادي جمال بن جميع في مقالة نقدية إلى الإشكاليات العميقة التي تعاني منها منظومة الصفقات العمومية في تونس، مسلطًا الضوء على ضرورة مراجعة المعايير المعتمدة في منح العقود الحكومية. وأكد بن جميع أن التركيز المبالغ فيه على العروض الأقل سعراً، والذي أصبح ثقافة سائدة تحت مسمى “الاقتصاد في الكلفة”، أدى إلى تضييع ملايين الدنانير على الدولة بدل الحفاظ على المال العام كما يُعتقد.
وأشار بن جميع إلى أنّ الاكتفاء باختيار الجهة التي تقدم السعر الأدنى يترتب عنه غالباً الحصول على خدمات أو معدات ذات جودة رديئة، مما يتسبب لاحقًا في ارتفاع تكاليف الصيانة أو حتى الحاجة إلى إعادة المشروع من جديد، ما يحول الصفقات العمومية إلى عبء مزمن بدل أن تكون رافعة للتنمية ومصدراً لنجاعة الإنفاق الحكومي.
ودعا الخبير الاقتصادي صناع القرار إلى استبدال سياسة “عبادة السعر الأدنى” بمقاربة أكثر عقلانية ونجاعة تسمى “السعر الكفء” أو “الشراء الذكي”. تهدف هذه المقاربة إلى تحقيق التوازن بين عناصر الجودة والسعر والفعالية والآجال الزمنية لإنجاز المشاريع. فشراء سلعة أو خدمة بسعر معقول وجودة ممتازة، قادر على تجنيب المال العام هدرًا مستقبليًا، بعكس ما يحصل عند الاقتصار على المقاربة التقليدية.
ويلفت بن جميع النظر إلى أن العروض الأرخص كثيراً ما تكون مغرية على الورق، لكن تجارب السنوات السابقة أثبتت أن الحلول السطحية أدت إلى تردي البنية التحتية، وارتفاع نسبة النزاعات بين الدولة والمزودين، وفشل الكثير من المشاريع في تحقيق أهدافها أو الاستفادة منها بالشكل الأمثل.
كما طالب بضرورة تغيير القوانين المنظمة للصفقات العمومية لتجعل الكفاءة معياراً أساسياً في الاختيار، وإطلاق ورش عمل وتكوين للكوادر الإدارية لدعم ثقافة الشراء الذكي. فانتقاء الشركات بناءً على معايير الجودة وكفاءة الإنجاز بدل السعر فقط سيُساهم في تعزيز الثقة بين القطاعين العام والخاص ويخفض الخسائر غير المباشرة.
وختم الخبير بأن خيار الانتقال إلى الشراء الذكي ليس ترفًا بل صار ضرورة ملحة لضمان استدامة المشاريع العمومية وحسن استثمار أموال دافعي الضرائب في تونس، محذرًا من استمرار نزيف الموارد بسبب مقاربات منقوصة الرؤية لا تراعي سوى الكلفة الآنية.
