القانون التونسي ومسألة تحمل كبار السن للمسؤولية الجزائية: دراسة بين التشريع والواقع

أثار نقل وزير الثقافة السابق والمؤرخ عزالدين باش شاوش إلى السجن، وهو في سن 88 عامًا وبحالة صحية حرجة، موجة من الجدل على المنصات الرقمية التونسية. وجاءت تدوينة للمحامي سامي بن غازي لتسلط الضوء على الإشكاليات القانونية والإنسانية المتعلقة بإيداع كبار السن السجن، وتساءلت عن مدى توافق هذا الإجراء مع الضمانات التي يكفلها القانون، ليس فقط في تونس، بل في التجارب العالمية أيضًا.

في تونس، كرست التشريعات حقوق كبار السن، فالـقانون عدد 61 لسنة 1993 نص على وجوب حمايتهم وضمان حقهم في الرعاية والصحة والعيش الكريم. كما أنّ قانون 1994 وضع لأول مرة إطارًا قانونيًّا لحماية من تجاوزوا الستين عامًا، معزّزًا بذلك وضعية المسنّ أمام تطورات المجتمع وتحولاته السريعة. إلّا أن هذه التشريعات، ورغم حمايتها الاجتماعية والمدنية، لم تمنح كبار السن حصانة تلقائية من المسؤولية الجزائية في حال مخالفتهم للقانون، لكنّها تفرض النظر في وضعهم الصحي وظروفهم عند تطبيق العقاب.

القضاء التونسي أمام خيار معقد عند التعامل مع قضايا الكهول: فهل من الإنسانية تنفيذ أحكام السجن ضد من يعاني من هشاشة ويحتاج لرعاية طبية خاصة؟ في حالات مماثلة، تعتمد المحاكم أحيانًا على تقارير طبية لتحديد ملاءمة تنفيذ العقوبة وقد تؤدي إلى تأجيل التنفيذ أو تغييره إلى عقوبات بديلة إذا كان السجين يعاني من حالة صحية حرجة تمنعه من تحمّل السجن.

من جهة أخرى، تختلف النصوص القانونية حول المسؤولية الجزائية لكبار السن من بلد إلى آخر. ففي بعض الدول الأوروبية مثلاً، ينص التشريع صراحة على إمكانية تعويض العقوبة السجنية لمن يتخطون سنًا معينًا أو يثبت تعرّضهم لأمراض مستعصية، وذلك بغية احترام الكرامة الإنسانية وتطبيق روح العدالة بدل الاقتصار على نص القانون.

أما عالميًا، فالمواثيق مثل المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أكدت حق كل فرد—وخاصة كبار السن—في التمتع بمستوى كافٍ من الصحة والكرامة. القضاء في دول عديدة يضع هذه المبادئ نصب عينيه عند النظر في قضايا المسنين، مع التركيز على العقوبات البديلة والإجراءات الإنسانية كتأخير التنفيذ، الإقامة الجبرية أو إلزامية العلاج والرعاية.

الخلاصة أن قضية المسؤولية الجزائية للمسنين في تونس وغيرها تضع المشرع والقضاء أمام مفترق طرق بين الحاجة لتحقيق العدالة وعدم تجاهل اعتبارات الرحمة والكرامة الإنسانية، حيث تبقى لكل حالة معاييرها الخاصة التي تستدعي التقييم الفردي والدقيق بناء على الظروف الصحية والاجتماعية للمعني بالأمر.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *