التونة في تونس: رحلة عبر التاريخ من قرطاج إلى موائد اليوم
تُعدّ التونة المعلبة من أكثر المنتجات البحرية استهلاكاً في تونس، حيث يلتهم التونسيون قرابة 20 ألف طن منها سنوياً. لكن قصة التونسي مع التونة لا تقتصر على الإقبال الحديث عليها في المطابخ، بل هي حكاية عريقة تضرب بجذورها في عمق التاريخ.
منذ أن أسّس الفينيقيون مدينة قرطاج في القرن التاسع قبل الميلاد، ارتبطت تونس ارتباطاً وثيقاً بالبحر وكنوزه. حيث اتجه سكان السواحل منذ ذلك الزمان إلى صيد الأسماك واستغلال المواسم البحرية، خاصة في فترات هجرة التونة عبر المياه التونسية الدافئة. أتاح هذا المورد الغني لتونس أن تطوّر تقنيات صيد وحفظ الأسماك، حيث كان يتم تمليح وتخزين التونة لاستخدامها طوال العام، ما ساهم في تعزيز الأمن الغذائي للمنطقة لقرون طويلة.
لم تكن التونة مجرّد مصدر للغذاء بل ارتبطت بالطقوس الاجتماعية والأسواق المحلية، وأصبحت مادة تجارية أساسية يتم تصديرها إلى مختلف أرجاء البحر المتوسط، كون تونس نقطة محورية على طرق التجارة البحرية القديمة.
ومع مرور الزمن، تطوّرت تقنيات صيد وتحويل التونة، حتى شهد القطاع طفرة حقيقية مع ظهور علب التونة في الأسواق التونسية خلال القرن العشرين. اليوم، تُنتِج المصانع المحلية أنواعاً متعددة من التونة المعلبة التي تجد طريقها إلى موائد المستهلكين، وتلعب دوراً محورياً في الاقتصاد الغذائي الوطني.
رغم كل هذا التطوّر، حافظت التونة على مكانتها ضمن الثقافة الغذائية التونسية، ليتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، في امتدادٍ لحكاية عمرها ما يزيد عن ألفي عام بين البحر والإنسان التونسي.
ومع تزايد الوعي بأهمية التنوع الغذائي وجودة المنتجات البحرية، تحرص الأسر التونسية اليوم على تناول التونة ضمن أطباق متنوعة تجمع بين التراث البحري والابتكار الحديث، ليبقى هذا الكنز البحري حاضراً بقوة في هوية المطبخ التونسي.
