مستقبل رجال الأعمال التونسيين بين التسوية القانونية والغموض المتواصل
أثارت تحركات السلطات التونسية الأخيرة لتفعيل الصلح الجزائي موجة جديدة من النقاشات حول مصير رجال الأعمال المتورطين في قضايا فساد أو هدر للمال العام. فقد أعاد تعيين أعضاء اللجنة الوطنية للصلح الجزائي وأدائهم اليمين الدستورية أمام الرئيس قيس سعيّد التركيز على هذا الملف الحيوي، في خطوة اعتبرتها الحكومة بدايةً فعلية لاسترجاع الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين.
تأتي هذه التطورات بعد أعوام من الجدل حول فعالية مسار الصلح الجزائي، حيث واجهت الجهود السابقة انتقادات واسعة بسبب محدودية النتائج وغياب الشفافية، وسط مطالبات شعبية بمحاكمة كل من استغل موارد البلاد دون وجه حق. وعلى الرغم من الوعود المتكررة بنقل التسويات إلى حيز التنفيذ، بقي الملف يراوح مكانه، ما أدى إلى هروب عدد من رجال الأعمال خارج البلاد، بحثاً عن ملاذات آمنة بعيداً عن الملاحقة القضائية.
من جهته، شدّد رئيس الجمهورية خلال لقاءاته الأخيرة على أن الفرصة لا تزال قائمة لاسترداد “أموال الشعب”، مؤكداً أن الدولة لن تتسامح مع أي طرف يثبت تورطه في الإضرار بالمصلحة العامة. وبالرغم من هذه التصريحات، يشير مراقبون إلى أن مسار الصلح الجزائي ما زال يعتريه الكثير من الغموض، خاصة مع استمرار هروب بعض الأسماء البارزة من رجال الأعمال إلى الخارج وصعوبة تتبعهم أو إعادة الأموال.
ويقرّ بعض المحللين بأن اللجوء إلى التسويات القانونية—مع ما يرافقها من تساهل في بعض الأحيان—قد شجع بعض رجال الأعمال المطلوبين على تفادي المثول أمام العدالة، في ظل غياب إجراءات رادعة وصارمة تضمن عودة الأموال واستعادة ثقة الشارع التونسي.
في ضوء هذه التطورات، يبقى هذا الملف مفتوحاً على كل السيناريوهات، بين تفاؤل محدود بتحقيق تقدم فعلي عبر اللجنة الجديدة للصلح، وتحفظات حول قدرة الدولة على التعاطي الجدي مع التحديات القانونية واللوجستية المرتبطة بملف رجال الأعمال المتورطين. وبين التسوية القائمة على القانون، وتوالي أخبار الهروب إلى الخارج، تبدو نهاية هذه القصة بعيدة المنال إن لم تتوفر الإرادة السياسية والإجراءات الشفافة والفاعلة.
