من يقود منظومة الهجرة غير النظامية إلى تونس؟ تحولات ودوافع المسار المعقّد

مع وصول المهاجرين إلى الشواطئ التونسية أو المناطق المتاخمة للحدود، يظن البعض أن بداية الأزمة تنطلق من هنا. إلا أن هذا المشهد لا يمثل سوى آخر حلقة في سلسلة طويلة ومعقدة بدأت آلاف الكيلومترات بعيداً عن تونس.

فمسارات الهجرة غير النظامية التي تمر بتونس لم تعد ناتجة عن تحركات فردية أو قرارات شخصية عابرة. بل أصبحت خاضعة لمنظومة واسعة تضم شبكات منظمة وخبرات محلية ودولية تتداخل فيها عناصر عديدة. تشير التقارير الدولية والمحلية إلى أن هذه المسارات تديرها شبكات متكاملة تضم سماسرة ووسطاء وتجار بشر، إلى جانب وجود تعاون – أحياناً – بين عناصر داخلية وأخرى خارج الحدود التونسية، ما يجعل من الطريق إلى تونس حلقة في شبكة هجرة أوسع تمتد من عمق القارة الإفريقية حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط.

تنطلق رحلات المهاجرين غالباً من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء مثل السودان ومالي وكوت ديفوار وتشاد، حيث تدفع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أعداداً متزايدة للبحث عن فرصة أفضل، ويمثل تحسين الدخل والهروب من النزاعات أبرز دوافعهم. في هذا السياق تستفيد شبكات التهريب من هشاشة الرقابة الحدودية سواء في الدول المصدّرة أو المعبر، وتعمل أحياناً بتواطؤ مع بعض الجهات المحلية على تقديم المأوى والمواصلات والتوجيه مقابل مبالغ باهظة.

أما تونس، فقد تحولت إلى نقطة عبور رئيسية منذ تفاقم الأزمات في محيطها الإقليمي، لتصبح محطة جذب للباحثين عن الهجرة إلى أوروبا سواء عبر البحر أو البر. وخلق ذلك اقتصاد ظل يُدير حركية واسعة لمهاجرين غير نظاميين من جنسيات متعددة. غير أن هذه التحولات ضاعفت الضغط على السلطات التونسية، التي تحاول في السنوات الأخيرة تطبيق استراتيجيات متشددة للحد من التدفق عبر تعزيز الرقابة وإطلاق برامج للعودة الطوعية للمهاجرين الذين يُكتشف وجودهم بشكل غير قانوني.

وتشير المعطيات إلى أنّ السياسات المعتمدة حققت بعض النجاح في تقليص أعداد العابرين، خصوصاً بعد التعاون مع المنظمات الدولية، لكن المنظومة التي تقف وراء تدفق المهاجرين ما تزال نشطة بفضل التحديات الأمنية وتضارب المصالح الإقليمية وصعوبة مراقبة كافة المسالك.

خلاصة القول، إن طرق الهجرة إلى تونس اليوم ليست مصادَفة أو مغامرات فردية، بل هي نتاج شبكة ممتدة ومترابطة عواملها اقتصادية وسياسية وأمنية، يديرها فاعلون متعددون تبدأ أدوارهم قبل بلوغ الأراضي التونسية بكثير، وتستمر إلى أن يحاول المهاجر عبور البحر نحو الحلم الأوروبي.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *