تقييم مستجدات المشهد التونسي بعد إعادة تقسيم البلاد إلى أقاليم

أعلنت تونس في سبتمبر 2023 عبر أمر رئاسي رقم 589 عن إعادة ترسيم خريطتها وتقسيم التراب الوطني إلى خمسة أقاليم ضخمة لأول مرة في تاريخ البلاد، في خطوة أثارت ردود فعل واسعة وآمال بالتغيير لكنها رافقتها في الوقت ذاته الكثير من التساؤلات والانتقادات.

وكان من الأهداف المعلنة للتقسيم الجديد، منح كل إقليم قدرًا أكبر من الاستقلالية الاقتصادية وتمكين المناطق الداخلية، التي لطالما عانت الإقصاء والتهميش، من التعبير عن تطلعاتها والمشاركة في صياغة مشاريعها التنموية من خلال المجالس المحلية، بحسب الخطاب الرسمي في حينه.

من الناحية النظرية، جاء هذا التوجّه لتجاوز إرث طويل من التركيز الإداري والاقتصادي في العاصمة والمناطق الساحلية، من خلال ربط الولايات الداخلية مع الساحل عبر خطوط أفقية داخل الأقاليم الجديدة. وقد استبشر كثير من التونسيين آنذاك بإمكانية تحقيق عدالة تنموية وتوزيع أفضل للثروات والفرص في البلاد.

لكن بعد مرور ما يقارب العامين على دخول القرار حيز التنفيذ، مازال المشهد يحمل في طياته العديد من الغموض والتساؤلات حول مدى تحقيق الأهداف المرجوة. إذ يرى مراقبون وخبراء أن هذا التقسيم لم يُترجم إلى سياسات تنموية ملموسة، في ظل غياب آليات فعالة وتوضيحات حول طبيعة صلاحيات المجالس الإقليمية وكيفية تمثيل مختلف المناطق داخل كل إقليم.

ووُجّهت انتقادات لهذا الخيار بسبب غياب نقاش مجتمعي واسع حول جدولته وآلياته وتداعياته على تماسك البلاد الاجتماعي وموازين القوة الاقتصادية بين الأقاليم. كما صرّح البعض بأن المخاطر تكمن في تعميق التفاوتات بدل معالجتها، خاصة إذا لم تتوفر الموارد أو الإصلاحات الملائمة.

وفي حين رحّب شق واسع من المواطنين والفاعلين في المجتمع المدني برؤية جديدة قد تحمل حلولاً لأزمة المركزية الراسخة، يرى آخرون أن التطبيق العملي ما زال يحتاج وقتاً وتجربة حوكمة أكثر تشاركية حتى يمكن تقييم جدوى التقسيم الجديد ومدى مساهمته في بناء تونس أكثر توازناً وإنصافاً.

وبين الآمال المشروعة والتحديات الواقعية، تبقى إعادة التقسيم الجغرافي محطة مفصلية في تاريخ تونس الحديث ومساحة مفتوحة للنقاش حول سؤال مركزية التنمية ودور التشاركية والعدل المجالي في صناعة المستقبل.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *