جرائم الإخضاع الكيميائي في تونس: كشف المستور بين الواقع والصمت
في الوقت الذي تسلط فيه الأضواء على قضايا العنف والجرائم التقليدية في تونس، تبرز على السطح ظاهرة مقلقة كانت حتى وقت قريب محاطة بالغموض: الإخضاع الكيميائي. هذه الجريمة، التي تتضمن تخدير ضحية دون علمها عبر مواد كيميائية نادرة أو أدوية مخدرة، غالباً ما تمر من دون ملاحظة أو تحقيق، وتُخلّف وراءها ضحايا عاجزين عن تذكر حتى أبسط تفاصيل ما حدث لهم.
برغم خطورة الإخضاع الكيميائي، لم يحظَ هذا الموضوع بالنقاش الكافي لدى الرأي العام التونسي، لعدة أسباب أبرزها نقص المعرفة بمخاطره وغياب الإحصائيات الجادة حول انتشاره. إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير مع صدور كتاب جديد للدكتورة ليلى الشواشي، المختصة في الصيدلة، بعنوان «الإخضاع الكيميائي: لوضع حد للأفكار المسبقة»، الصادر عن دار “جي سي لاتاس”، والذي أثار الحديث لأول مرة عن هذه الظاهرة في تونس من زاوية علمية واجتماعية.
يتناول الكتاب، الواقع في 162 صفحة، تعريف الإخضاع الكيميائي ويفسر آلياته، بالإضافة إلى تقديم شهادات حالات واقعية وتعميق النقاش حول علاقتها بجرائم السرقة والاعتداء الجنسي وحتى الاتجار بالأعضاء. تلقي الشواشي الضوء على نوعية المواد المستخدمة، التي غالبًا ما تكون متداولة بشكل قانوني لأغراض طبية، إلا أنه يتم استغلالها بطرق إجرامية تجعل من التعرف على الضحايا وإثبات الجريمة أمرًا معقدًا وصعبًا.
تؤكد المؤلفة على صعوبة إثبات الإخضاع الكيميائي بسبب اختفاء آثار بعض المواد في الجسم في غضون ساعات قليلة، ما يؤدي إلى مواجهة الضحايا للريبة وعدم التصديق، ويجعل من كشف الجريمة تحديًا للأجهزة الطبية والقضائية على حد سواء. كما يناقش الكتاب نقص الإحصائيات الرسمية والرصد المنهجي، رغم تسجيل بعض الحالات في أقسام الطوارئ بالمستشفيات دون متابعة قانونية أو إعلامية.
وتدعو الشواشي في كتابها إلى ضرورة رفع مستوى الوعي بخطورة الظاهرة، ليس فقط في الأوساط الطبية والقانونية، بل لدى المجتمع ككل، من أجل حماية الأفراد وتطوير التشريعات المتعلقة بالكشف عن جرائم الإخضاع الكيميائي ومعاقبة مرتكبيها. وتختم بالتأكيد أن كسر جدار الصمت حول هذا الموضوع بات ضرورة تفرضها تحولات الواقع التونسي وتزايد المخاطر المرتبطة بتداول المواد المخدرة.
يعد هذا الكتاب محاولة رائدة لإخراج أزمة الإخضاع الكيميائي من دائرة المسكوت عنه، ويشكل دعوة مفتوحة لكل الجهات المختصة لاتخاذ خطوات عملية لمواجهة هذا التحدي الأمني والاجتماعي الذي يهدد شرائح من المجتمع التونسي دون أن يشعروا بذلك.
