تداعيات أزمة تنظيمية حادة داخل الاتحاد العام التونسي للشغل واستقالات تزيد الوضع احتداماً
يشهد الاتحاد العام التونسي للشغل هذه الفترة مرحلة دقيقة تتسم بتطورات متسارعة وخلافات داخلية أصبحت علنية وغير مسبوقة في تاريخ المنظمة النقابية الأكبر بالبلاد. فقد تفجرت الأزمة خاصة مع تصاعد التوتر بخصوص آليات عقد المؤتمرات الجهوية وترتيبات المرحلة الانتقالية في عدد من الهياكل والقواعد المحلية للاتحاد، مما ألقى بظلاله على المشهد النقابي الوطني وأثار التساؤلات حول مستقبل التنسيق والوحدة داخل المنظمة.
وقد كشفت مصادر نقابية مطلعة عن استفحال الأزمة على خلفية خلافات حول توقيت المؤتمر الوطني الانتخابي للاتحاد، حيث ينقسم المكتب التنفيذي وأطره بين تيار يطالب بتقديم موعد المؤتمر وجعله في مارس 2026، وآخر يستند إلى النصوص القانونية الداخلية ويتمسك بإجرائه في 2027 بعد انتهاء العهدة الحالية التي تم انتخابها في فبراير 2022. هذا الصراع بين الأجنحة وصل ذروته بعد إعلان الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي استقالته رسميًا أواخر ديسمبر الماضي، خطوة اعتبرها كثيرون نتيجة طبيعية للاحتقان الداخلي والانقسامات التي وصلت مرحلة القطيعة في ظل رفض التوافق.
وفي سياق هذه الاضطرابات المتفاقمة، قدم عبد العزيز بوعزي، المسؤول عن الاتحاد الجهوي للشغل بالقصرين، طلب إعفائه من مهامه بصفة رسمية عبر مراسلة إلى الهياكل المركزية، ما اعتبره مراقبون ترجمة عملية لتداعيات الأزمة التنظيمية داخل صفوف الاتحاد خاصة في المناطق الداخلية التي تعرف عادة درجة عالية من الحراك النقابي والتمسك بالخصوصيات المحلية.
الأزمة الحالية ليست الأولى التي يمر بها الاتحاد العام التونسي للشغل، لكنها تُعتبر الأشد من حيث حدة الانقسام وحدة التصريحات الإعلامية المتبادلة بين القيادات، علاوة على التصعيد في الاحتجاجات والإضرابات وإلغاء تحركات عمالية كان قد دُعي إليها سابقًا، كما حدث مع إلغاء الإضراب العام المزمع في يناير.
وتتزامن هذه التطورات مع توتر متزايد بين المنظمة النقابية والسلطة التنفيذية، حيث تشهد العلاقة شدّاً وجذباً واتهامات متبادلة تتعلق بمحاولة كل طرف فرض رؤيته لمعالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما في ذلك ملف الحريات وحقوق العمل.
ويحذر متابعون للشأن النقابي من أن استمرار هذه الأزمة دون حلول توافقية أو خارطة طريق واضحة قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام داخل الاتحاد، ويفسح المجال لتدخلات خارجية قد تهدد بدورها وحدة المنظمة ودورها التاريخي في الدفاع عن العمال والحريات العامة بتونس.
في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من حوارات أو مبادرات للتهدئة، يبقى رهان تجاوز الأزمة مرهوناً بقدرة الاتحاد القيادية والقاعدية على تغليب منطق الحوار والتوافق والحفاظ على وحدة المنظمة ومكانتها كمكسب وطني لا غنى عنه في الحياة العامة بالبلاد.
