الرئاسة التنفيذية والمسار السياسي: مقارنة بين تحولات الحكم في تركيا وتونس

شهدت كل من تركيا وتونس في الأعوام الأخيرة تحولات هامة في بنيتهما السياسية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية والدولية. فعلى الرغم من اختلاف السياقين التاريخي والجغرافي، فإن رئاسة كل من رجب طيب أردوغان في تركيا وقيس سعيّد في تونس كانت عاملًا مفصلياً أعاد تشكيل معالم السلطة في كلا البلدين.

في تركيا، تميز العقدان الأخيران بتطور تدريجي نحو النظام الرئاسي، بداية من تعديلات دستورية متتالية وصولاً إلى استفتاء 2017 الذي منح الرئيس سلطات موسعة، محولاً النظام من برلماني إلى رئاسي بكامل الصلاحيات. وقد مكّن هذا التحول أردوغان من تعزيز سيطرته على مفاصل الدولة، والاستفادة من الإطار القانوني الجديد لضبط العلاقة بين السلطات وتوجيه السياسات الداخلية والخارجية. رغم الانتقادات بشأن تراجع دور المؤسسات التقليدية والمساءلة البرلمانية، يرى مؤيدو أردوغان أن هذه الخطوات جلبت استقرارًا وسرعة في اتخاذ القرار.

أما تونس، فقد مرت خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ قرارات 25 جويلية 2021، بتحول جذري في مشهدها السياسي. قام الرئيس قيس سعيّد بتجميد البرلمان وحل الحكومة، في خطوة اعتبرها منتقدوه انقلاباً على الديمقراطية، بينما دافع سعيّد عنها باعتبارها وسيلة لاسترجاع “إرادة الشعب” وتصحيح المسار الديمقراطي. أدى ذلك إلى تركز السلطات بيد الرئيس وإعادة صياغة النظام السياسي، مع تقليص كبير لدور المؤسسات التمثيلية والتشاركية.

التقاطع بين التجربتين يظهر في مدى الاعتماد على دور الرئاسة التنفيذية المركزية وإعادة توزيع السلطات، لكن السياقين التركي والتونسي لا يخلو من الفوارق. فبينما مرت تركيا بتحول تدريجي ضمن جدل سياسي وقانوني، جاءت الإجراءات التونسية مفاجئة وسريعة وسط انقسام شعبي وسياسي حاد.

يبقى مستقبل النموذجين معتمدًا على مدى نجاح الرئاسة في تلبية طموحات المواطنين وضمان المشاركة السياسية والتعددية، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة يعاني منها البلدان. وفي حين يستمر الجدل حول رئاسة الفرد وقوة المؤسسات، تظل التجربتان تثيران اهتمامًا متزايدًا بسبل إعادة تشكيل الحكم في المنطقة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *