تحديات هيكلة مسالك التوزيع الفلاحي في تونس وتأثيرها على الاقتصاد المحلي
شهد منتدى تونس الاقتصادي مؤخراً عرض دراسة جديدة حول واقع وتحديات منظومة توزيع المنتجات الفلاحية في تونس، أعدّها الخبير في المالية العمومية وحوكمة المؤسسات أحمد بن خضر. ترسم هذه الدراسة صورة دقيقة للمشاكل البنيوية التي يعاني منها قطاع توزيع المنتوجات الفلاحية، وتقدم مجموعة من المقترحات لإعادة تأهيله بشكل يخدم الاقتصاد الوطني والفلاحين والمستهلك على حد سواء.
أحد أبرز ما كشفت عنه الدراسة هو هيمنة القطاع غير المنظم على أكثر من 50% من التداولات الفلاحية داخل مسالك التوزيع، ما يعكس وجود شبكة معقدة من الوسطاء غير الرسميين التي تسيطر على جزء كبير من السوق. هذا الوضع يتسبب في ارتفاع أسعار المنتجات بالنسبة للمستهلك، بينما لا يستفيد الفلاحون بالشكل المطلوب من عائدات إنتاجهم بل يغلب عليهم بيع محاصيلهم بأسعار لا تعكس حقيقة مجهوداتهم.
وأشار أحمد بن خضر خلال الجلسة إلى أن ضعف التنظيم القانوني لمسالك التوزيع وغياب الشفافية في المعاملات يفقد السوق الكثير من إمكانياته، ويجعل التلاعب بالأسعار والمضاربة واقعًا يوميًا. كما تعاني البنية التحتية الداعمة للنقل والتخزين من التقادم وقلة التطوير، وهو ما يساهم في زيادة الفاقد وخسائر المنتجات.
واقترحت الدراسة ضرورة العمل على تنظيم مسالك التوزيع عبر إدماج القطاع غير المنظم، وتفعيل المراقبة المستمرة لعمليات النقل والتخزين والتسعير. كما شددت على أهمية توجيه الاستثمارات نحو تحديث أسواق الجملة وتعزيز قدراتها اللوجستية، وتقوية منظومة العقود بين الفلاحين والمسوقين بما يضمن حقوق جميع الأطراف.
من جانب آخر، أبدت الدراسة أهمية إشراك المجتمع المدني والمنظمات المهنية في جهود الإصلاح، بالإضافة إلى الرقمنة التدريجية لعمليات التعامل داخل السوق لتحقيق مزيد من الشفافية والعدالة.
وتبرز هذه التوصيات في وقت تشهد فيه تونس صعوبات اقتصادية عديدة، وتزايداً في المخاوف من تراجع الأمن الغذائي بفعل الأزمات العالمية والمحلية. ويُعد إصلاح منظومة التوزيع عاملاً جوهرياً لتحقيق التوازن بين مصالح الفلاحين والمستهلكين، وضمان استدامة منظومة الإنتاج الزراعي الوطني.
في الختام، شددت الورقة البحثية على أن النجاح في إصلاح مسالك التوزيع لن يكون ممكناً إلا عبر مقاربة شاملة تشـمل الإصلاحات التشريعية، ودعم الاستثمار، واعتماد الحوكمة الرشيدة على جميع المستويات من أجل حماية الإنتاج المحلي وإيصاله للمستهلك بأفضل الشروط.
