تركيبة فريدة في تونس: تمويل أوروبي وتنفيذ صيني لمشاريع استراتيجية
تشهد تونس في السنوات الأخيرة مشهداً استثنائياً في مجال التنمية الاقتصادية وتنفيذ المشاريع الكبرى، إذ تتقاطع مصالح القوى الاقتصادية العالمية عند سواحلها. ففي الوقت الذي يمول فيه الاتحاد الأوروبي مشاريع ضخمة في البلاد، تتولى شركات صينية كبيرة تنفيذ وإنجاز العديد من هذه المشاريع.
الاتحاد الأوروبي، الذي ظل لعقود الشريك الاقتصادي الأول لتونس، يواصل دعمه للاقتصاد الوطني من خلال ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات محورية، على غرار التعليم والنقل والطاقة والتنمية الحضرية. وتشير بيانات رسمية إلى أن 88% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تونس مصدرها المؤسسات الأوروبية، إضافةً إلى تمويلات بنكية هامة من هيئات أوروبية كبرى مثل البنك الأوروبي للاستثمار، الذي أعلن مؤخرًا عن استثمار نحو 271 مليون يورو لدعم مؤسسات تونسية وتعزيز الحركية الاقتصادية والاجتماعية.
في المقابل،برزت الصين بقوة كشريك تقني وتنفيذي إستراتيجي، مستغلة موقع تونس الجغرافي المميز على خطوط التجارة بين إفريقيا وأوروبا. فعبر شركاتها العملاقة التي تمتلك خبرات هندسية وتقنيات متقدمة في مجالات البنية التحتية، فازت الصين بتنفيذ العديد من المشاريع الحيوية مثل تشييد الجسور، وتطوير الطرقات، وإنشاء شبكات النقل الحديثة. وتستفيد الشركات الصينية من تمويلات أوروبية لتنفيذ مشاريع مشتركة، ما يمنحها حضورًا متزايدًا في السوق التونسية ويكرس نفوذها كشريك لا غنى عنه.
هذه التركيبة الاستثنائية تطرح أسئلة هامة حول التوازنات الجيوسياسية والمنافسة الدولية على النفوذ في تونس، خاصة في ظل قلق أوروبي متزايد من تعاظم دور الشركات الصينية في مشاريع البنى التحتية الحيوية في أوروبا والعالم.
وبينما تستفيد تونس من الموارد المالية الأوروبية ومن الكفاءة الصينية في التنفيذ، تبقى التحديات قائمة أمام السلطات في تحقيق توازن بين ضمان الاستفادة القصوى من هذه الفرصة وتجنب أي تبعية اقتصادية مستقبلية من طرف واحد. ويجمع المراقبون على أن مستقبل التنمية في تونس يعتمد على نجاحها في صياغة معادلة تؤمن مصالحها الوطنية وتضمن انفتاحها على مختلف الشركاء الدوليين.
