تغيّر جذري في سياسة البنك الدولي: دعم متزايد لدور الدولة في الاقتصاد
شهد المشهد الاقتصادي العالمي هذا الأسبوع تطوراً لافتاً قد لا يبدو جلياً للمتابعين، حيث قام البنك الدولي – المعروف سابقاً بدعمه الحازم لسياسات تحرير الأسواق والحد من تدخل الدولة – بإجراء تحول استراتيجي في فلسفته وتوجهاته العملية.
لطالما كان البنك الدولي أحد أعمدة “إجماع واشنطن”، مساهماً بذلك في تحديد ملامح السياسات الاقتصادية في العديد من دول العالم، وخاصة البلدان النامية. فقد كان يؤكد على ضرورة تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص، والسير نحو الخصخصة والانفتاح التجاري. إلا أن الظروف الاقتصادية العالمية والتحديات المتزايدة دفعت المؤسسة العالمية إلى إعادة تقييم معتقداتها ومقارباتها.
مؤخراً، كشف البنك الدولي عن انتهاجه سياسة جديدة تركّز على ما يسمى بـ”الدولة الاستراتيجية”، وهي رؤية تدعم دور الدولة كمحرك أساسي للتنمية، وليست مجرد منظم للسوق. وتشمل هذه السياسة تعزيز دور الحكومات في دعم القطاعات الصناعية، وتوليد الفرص الاستثمارية داخلياً، والعمل على تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
هذا التحول يتزامن مع بطء واضح في معدلات النمو العالمي، حيث خفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 إلى 2.5%، وهو معدل يعتبر الأدنى منذ سنوات، حسب مصادر اقتصادية دولية. كما أن الأزمات الإقليمية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية أثرت بشكل مباشر على استراتيجيات التمويل والأولويات الاقتصادية.
في هذا السياق، يُنظر إلى هذا التحول بأنه استجابة واقعية لحاجة العديد من الدول – ومنها تونس – إلى سياسات تنموية تعتمد على مبادرات الدولة في دعم مشاريع البنية التحتية، وتطوير الصناعة، وتحفيز الابتكار. وتأتي هذه المقاربة في محاولة للحد من هشاشة الاقتصادات المعتمدة بشكل مفرط على الخارج أو على تدفقات رؤوس الأموال غير المستقرة.
يرى خبراء الاقتصاد أن تأكيد البنك الدولي على صيغة الدولة الاستراتيجية يُعد إقراراً ضمنياً بأهمية التوازن بين السوق وقوة الدولة من أجل دفع عجلة التنمية المستدامة. كما أن هذا المسار الجديد قد يفتح المجال أمام السياسات الوطنية لتبني مشاريع كبرى بالشراكة مع القطاع الخاص لكن بوصاية وإدارة أكثر فاعلية من الدولة، سعياً لتحقيق النمو والاستقرار وتوفير فرص العمل.
في الختام، فإن الدور المتجدد للدولة في الاقتصاد لن يكون بمثابة عودة إلى المركزية البيروقراطية، بل تحول مدروس لتفعيل قدرات الدولة، وتسخيرها بتوازن من أجل خدمة التنمية وتجاوز التحديات التي تواجهها المجتمعات الحديثة – وتونس ليست استثناءً من هذا التوجه العالمي الجديد.
المصدر: تلخيص من الأخبار الاقتصادية والتقارير الدولية حول سياسة البنك الدولي 2026.
