تنظيمات خفية تقف وراء توسع ظاهرة التسول في تونس

تعيش العديد من المناطق التونسية على وقع تفشي ملحوظ لظاهرة التسول، حيث لا يخلو شارع رئيسي أو مفترق طرق من متسولين ينتمون إلى فئات عمرية متنوعة، من الأطفال الرضّع وحتى الكبار في السن، مرورًا بشباب في مقتبل العمر. وفي منطقة الغزالة شمال العاصمة، بات المشهد مألوفًا: امرأة تحتضن وليدها تستجدي العطف، رجل مسن يستند إلى عكاز، شاب يمد يده للمارة، وأطفال يجوبون الأرصفة بين السيارات. مشهد يتكرر كل يوم، لكنه يخفي وراءه العديد من الأسئلة والاتهامات حول من يدير هذه الظاهرة ومن المستفيد الحقيقي منها.

وفق تقارير حقوقية، فإن ظاهرة التسول في تونس ليست عشوائية في كثير من الأحيان، بل تقف خلفها شبكات منظمة تستغل فئات هشة من المجتمع – خاصة الأطفال واللاجئين – في عمليات واسعة لجمع الأموال. وتشير الجمعية الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان والإعلام إلى أن عدد المتسولين يتجاوز خمسة آلاف متسول موزعين على مختلف الولايات.

تشير شهادات جمعتها منصات حقوقية وتقارير إعلامية إلى لجوء بعض هذه الشبكات إلى استخدام الأطفال أو استئجارهم من عائلات فقيرة لوضعهم في الشوارع، وذلك مقابل تقاسم الأرباح نهاية اليوم. وفي أحيان أخرى، يجري توظيف المسنين أو ذوي الإعاقة لزيادة تعاطف المارة. ويذهب بعض نشطاء المجتمع المدني إلى اعتبار التسول في تونس تجارة منظمة أكثر منه حالة فردية تنبع من الحاجة الفعلية.

وعلى الرغم من وجود نصوص قانونية تجرّم استغلال الأطفال في التسول وتحدد عقوبات واضحة للمخالفين، إلا أن التطبيق العملي لهذه القوانين يواجه صعوبات نتيجة ضعف الرقابة وقلة عدد الفرق المختصة. وتبقى الحملات الموسمية لمكافحة التسول محدودة الأثر في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسب البطالة والفقر.

يبقى التساؤل حول مصير الأموال الطائلة التي يجلبها بعض المتسولين يوميًا، لا سيما أن الشهادات تشير إلى جني بعضهم مبالغ تفوق ما يحصل عليه الموظفون من رواتب رسمية. هذا الأمر يسلط الضوء على الحاجة الماسة لإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية ومضاعفة جهود السلطات لمواجهة استغلال الهشاشة الاجتماعية ضمن منظومة منظمة من التسول.

يختم العديد من المتابعين بأن القرار في مواجهة ظاهرة التسول يتطلب مواجهة مزدوجة: دعم الفئات الأكثر هشاشة بإجراءات اجتماعية عاجلة، مع تشديد الرقابة على الشبكات التي تستغل حاجة الفقراء وتحويلها إلى أعمال منظمة تهدد نسيج المجتمع وتستنزف موارده.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *