تواصل شحّ المياه المعبأة في تونس رغم وفرة الإنتاج: أين تكمن المشكلة؟
تعيش الأسواق التونسية منذ أسابيع على وقع أزمة حادة في توفر قوارير المياه المعدنية، إذ أصبحت رفوف المتاجر الفارغة مشهداً يومياً يثير استياء المستهلكين، على الرغم من أن المعطيات الرسمية تشير إلى أن شركات التعليب تضخ ملايين القوارير يومياً.
فمع ارتفاع درجات الحرارة خلال صيف 2026، شهد الطلب على المياه المعدنية المعلبة زيادة غير مسبوقة بلغت، وفق تقديرات رسمية، نحو 30% مقارنة بمعدلات الاستهلاك المعتادة في نفس الفترة من الأعوام السابقة. هذا الارتفاع الاستثنائي في الطلب أثّر بشكل مباشر على مخزون الشركات المنتجة، التي عمدت إلى تصريف أغلب الكميات الاحتياطية تحسباً لفترة الذروة، ما أدى إلى استنزاف سريع للمخزون وصعوبة في تغطية حاجة السوق.
ورغم الطاقات الإنتاجية المعلنة المرتفعة – والتي تتجاوز أحياناً نصف مليون قارورة في الساعة – إلا أنّ الأزمة امتدت لتشمل جوانب التوزيع والتخزين أيضاً. فقد أصبح مشهد الطوابير الطويلة أمام محلات الجملة مع كل وصول شاحنة مياه مألوفاً في عدة مدن تونسية، وسط شكاوى المواطنين من عدم توفر المياه المعبأة إلا بكميات محدودة أو في إطار عقود سابقة الحجز، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل عن وجود خلل هيكلي يمس منظومة التوزيع بين المصنعين والمتدخلين في القطاع التجاري.
وأمام تصاعد الشكاوى، تدخلت وزارة التجارة، لتضبط في قرار جديد نُشر في أغسطس 2026 سقف هامش الربح المسموح به سواء لتجار الجملة أو التفصيل في محاولة لكبح ارتفاع الأسعار الذي صاحب الظاهرة وللحد من الاحتكار. ونفت الحكومة وجود أي واردات رسمية للمياه المعبأة من الجزائر، وأرجعت الأزمة بالأساس إلى الانتعاش الاستثنائي في الطلب المرتبط بعوامل مناخية واقتصادية بدرجة أولى.
من جانبها، تؤكد الغرفة النقابية لمنتجي المشروبات غير الكحولية أن الشركات تعمل بكامل طاقتها لتلبية حاجيات المستهلك، محملة المسؤولية أيضاً إلى قنوات التوزيع التي لم تتمكن من التصرف السريع في الكميات المتوافرة.
في المقابل، يظل الشارع التونسي في حيرة من أمره أمام مشهد آلاف القوارير التي تضخها الشركات يومياً، في حين لا يجد المستهلك سوى رفوف شبه خالية، ليظل سؤال جوهري يطرح نفسه: أين تتعطل منظومة التزويد، وهل الأزمة عابرة أم تمثل مؤشراً على إشكالات أعمق في إدارة الموارد وتوزيعها بالسوق التونسية؟
