تونس تخطو بثبات نحو تنظيم العمل عن بعد: آفاق جديدة للكفاءات الرقمية

شهدت تونس في السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً في مجال العمل عن بعد، حيث أصبح هذا النمط من التشغيل خياراً رئيسياً لآلاف المهندسين والمبرمجين وخبراء التقنية من أصحاب الكفاءات العالية. وبحسب دراسات رسمية حديثة، يُقدّر عدد المتعاقدين الحر في قطاع العمل عن بعد بأكثر من 120 ألف تونسي، يعمل قسم مهم منهم مع شركات ومؤسسات خارجية ويعزز بذلك الموارد المالية للبلاد.

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، ظلت منظومة العمل عن بعد في تونس تفتقر حتى وقت قريب إلى إطار تشريعي واضح ينظّم حقوق العاملين وواجباتهم ويضع ضمانات قانونية تواكب التطورات الرقمية المتسارعة في سوق الشغل الدولي. هذا التأخير في صياغة إطار قانوني لم يعكس القدرات الكبيرة التي يتمتع بها الشباب التونسي، خاصة مع تميزهم في تخصصات برمجة التطبيقات وتطوير الذكاء الاصطناعي وتصميم البرمجيات وإتقانهم للغات الأجنبية.

ومع تنامي التوجه العالمي نحو الرقمنة والعمل المرن، تصاعدت مطالب أصحاب المهن الرقمية في تونس بضرورة الإسراع في تأسيس نصوص قانونية تراعي خصوصيات هذا القطاع وتحد من العراقيل الإدارية التي تعيق دعم حقيقي للعمال المستقلين عن بعد.

مؤخراً، استجابت الحكومة التونسية لهذه المطالب عبر إعداد مشروع قانون جديد يعتني بتنظيم العمل عن بعد. ويتوقع أن يُسهِم هذا الإجراء التشريعي في تعزيز تنافسية تونس في استقطاب المشاريع الرقمية العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن خلق بيئة محفزة لأبناء وبنات البلاد لممارسة أعمالهم بكفاءة وطمأنينة سواء من داخل الوطن أو من خارجه.

ومن المنتظر أن يضع القانون المنتظر معايير واضحة تهم العلاقة التعاقدية بين العاملين عن بعد والشركات أو الهيئات المشغلة، وينظم الجوانب المتعلقة بساعات العمل، والامتيازات الاجتماعية، والتغطية الصحية، فضلاً عن ضمان الحد الأدنى للأجور وتيسير فرص التدريب والتطوير المهني.

يظل احتضان التحول الرقمي وتنظيم العمل عن بعد رهاناً أساسياً لإنجاح الاقتصاد الوطني وفتح أفق أرحب أمام الشباب المبدع في تونس، خاصة في ظل الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية الجديدة. ومع دخول التشريع حيز التنفيذ، سيكون للمواهب الرقمية التونسية إطار قانوني يمنحهم الاستقرار والدعم ويوفر للبلاد مكاسب اقتصادية واجتماعية واعدة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *