دراسة علمية تكشف الجذور المتنوعة لسكان قرطاج القديمة

في تطور غير متوقع غيّر نظرة المؤرخين لتاريخ شمال إفريقيا والبحر المتوسط، أظهرت دراسة جينية حديثة نشرت في مجلة «نيتشر» أن سكان قرطاج القديمة لم يكونوا حصراً من الفينيقيين الوافدين من المشرق كما كان يروج منذ سنوات، بل في الأصل مجتمع متعدد الأعراق يجمع سكاناً من خلفيات وأصول متنوعة.

منذ عقود كانت الرواية السائدة تؤكد بأن القرطاجيين هم بالأساس أبناء لمستعمرين فينيقيين أسسوا المدينة خلال القرن التاسع قبل الميلاد بعد أن وصلوا من مدينة صور اللبنانية حاليًا. لكن نتائج التحليل الجيني لرفات بشرية عُثر عليها في مقابر قرطاجية قديمة أظهرت تشكل التركيبة السكانية للمدينة التاريخية من عناصر محلية جاءت من شمال إفريقيا وامتزجت بعناصر متوسطية وأخرى من مناطق بعيدة.

وأوضحت نتائج الفريق البحثي أن الحمض النووي الذي تم تحليله يعود لجماعات صُنف جزء منها محلياً من شمال إفريقيا، بينما عَكَسَ الباقي أصولا مختلطة تضم مساهمات وراثية قادمة من جنوب أوروبا، وأجزاء أخرى من البحر المتوسط، وحتى من بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء. هذا التنوع الجيني يعكس حركة تبادل تجاري وثقافي كبيرة في أنحاء البحر الأبيض المتوسط منذ آلاف السنين.

ترى الدراسة أن قرطاج لم تكن مغلقة على أصل واحد بل كانت نقطة التقاء حضاري كبيرة، حيث عبرت عن مزيج بين السكان المحليين والوافدين في سياق تاريخي سمته الهجرة والتجارة والتحالفات.

تشكل هذه النتائج إضافة معرفية مهمة تدفع لإعادة تقييم الفرضيات القديمة حول نشأة مدينة قرطاج وتكوين مجتمعها، وتؤكد أن تاريخ المنطقة أعمق وأكثر تعقيداً من التصنيفات الأحادية التقليدية. هذا الاكتشاف العلمي يبرهن على قدرة البحث الجيني على كشف تفاصيل خفية في تاريخ البشرية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *