تونس تواجه تحديات جديدة في قطاع الحليب بعد أزمة المياه المعلبة
مع استمرار تبعات الأزمة الأخيرة في سوق المياه المعلبة، بدأ الوسط الاقتصادي والاجتماعي في تونس يراقب عن كثب وضع قطاع الحليب، الذي يعاني منذ فترة من عديد الإشكاليات الهيكلية والتنظيمية رغم المحاولات الحكومية المتكررة لتطويقها.
خلال الأسابيع الماضية، شهدت تونس تقلّبات حادّة في وفرة المياه المعلبة انعكست بشكل مباشر على المواطن، الأمر الذي فتح النقاش مجدداً حول قدرة المنظومات الإنتاجية الوطنية على مقاومة الأزمات وصيانة الأمن الغذائي، في ظل المخاوف من انتقال عدوى الاضطراب إلى قطاعات حيوية أخرى مثل الحليب.
وبحسب تصريحات وزارة الفلاحة في ردّها على تساؤلات نواب البرلمان، فإنه رغم تدخّل السلطات الرسمية عبر حزمة من الإجراءات الموجهة لدعم الإنتاج وضمان التزويد المنتظم للأسواق، إلا أن التحديات التي تعصف بقطاع الحليب ليست مستجدة أو عابرة، بل هي نتيجة تراكمات تعود لسنوات، أبرزها ارتفاع كلفة الإنتاج، غلاء الأعلاف، وانخفاض هوامش الربح لدى الفلاحين والمربين.
ويؤكد الفاعلون في القطاع أن المشكلة تتجاوز عامل المضاربة أو الاحتكار، حيث تشير تقديرات اتحاد الفلاحة والصيد البحري إلى أن 80% من أسباب الأزمة مرتبطة بشكل مباشر بتكلفة الإنتاج: فارتفاع أسعار الأعلاف والمواد الأساسية أثقل كاهل المربين، ودفع البعض إلى تقليص القطيع أو الخروج من النشاط نهائياً.
أما بنية المنظومة فقد كشفت عن اختلالات حادة في فترات الذروة، لاسيما في فصل الربيع حيث يتزايد إنتاج الحليب بنسبة تفوق قدرة مراكز التجميع والتصنيع على الاستيعاب والتخزين، وهو ما يوقع المنتجين في حيرة بين الخسارة وعدم تصريف الفائض أو البيع بأسعار متدنية لا تغطي التكاليف.
بدورها، أكدت مصادر مهنية وإعلامية أنه رغم إمكان انفراج نسبي متوقع خلال الأشهر المقبلة مع ارتفاع المخزون الاستراتيجي للحليب، فإن المراقب للسوق لا يستبعد عودة التوترات بشكل دوري إن لم تتم معالجة الإشكاليات البنيوية للمهنة بشكل جذري وطويل الأمد، من خلال سياسات دعم صلبة، واستثمار في التجميع والتصنيع وتنظيم السوق وتحفيز المربين.
هكذا إذاً تقف تونس أمام معضلة تفرض على صناع القرار التحرك السريع لحماية هذا المورد الحيوي وحفظ ديمومته، تجنباً لانزلاق البلاد نحو أزمة غلاء ونقص مماثلة لتلك التي عرفتها الأسواق الحديثة مع المياه المعلبة مؤخراً.
