تونس في مفترق الطرق: غياب الرؤية الوطنية بين الأزمات وتحديات المستقبل
تشهد تونس في عام 2026 مرحلة مفصلية من تاريخها السياسي والاجتماعي، وسط حالة من ضبابية الوجهة الوطنية وضعف وضوح المشروع الجامع للبلاد. ففي ظل تعدد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي الضغوط الداخلية والخارجية، تبرز الحاجة الماسة إلى بوصلة وطنية تجمع الأطراف وتحشد الطاقات لتأسيس مستقبلٍ أكثر استقرارًا ووضوحًا.
المشهد السياسي الراهن يتسم بمركزية القرار وتضييق فضاء العمل الديمقراطي. فغياب المعارضة الفعّالة وتشتّت المبادرات السياسية وثقافة الشد والجذب بين النخب، كلها عوامل تؤدي إلى مزيد من الضبابية حول «أي تونس نرغب بها؟» أكثر من ذلك، تبرز الإشكالية في الطريقة التي يشهد بها المجتمع تحولات عميقة منذ يوليو 2021 حين بدأت عمليات إعادة تشكيل السلطة السياسية وتصاعدت المخاوف إزاء تراجع المسار الديمقراطي واندثار الأحزاب التقليدية وتبدّل التحالفات.
في خضم هذه التحولات، تشير تقارير ودراسات عدّة إلى أن المعضلة الجوهرية في تونس ليست فقدان الموارد أو نقص الكفاءات، بل غياب الرؤية الوطنية المتكاملة القادرة على تحديد المشروع الجماعي وتوحيد الإرادة السياسية. يتجلى ذلك في تعدد المشاريع الفردية والبرامج القطاعية دون وجود إطار مرجعي شامل، وهو ما يُضعف قدرة البلاد على الخروج من حالة الانتظار والجمود.
على الصعيد الاجتماعي، يتنامى السخط الشعبي وتزداد الاحتجاجات على خلفية الأزمات المتكررة في الخدمات الأساسية والظروف المعيشية، بينما يشعر المواطنون بعدم وجود صوت موحد أو أفق جماعي واضح. أما على المستوى الخارجي، فتسعى تونس إلى تحقيق توازن حذر في علاقاتها مع دول الجوار والشركاء الدوليين، لكن غياب رؤية وطنية واضحة ينعكس سلبًا على مناعة الدولة وقدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية.
يظل المستقبل غامضًا، ما لم تتوافق النخب السياسية والمجتمعية على بناء مشروع وطني يُعيد الثقة للمواطنين ويعيد توجيه البلاد نحو تنمية شاملة وعدالة اجتماعية حقيقية. المرحلة تتطلب شجاعة في مراجعة الخيارات السابقة والانفتاح على حوار وطني شامل يجيب بوضوح: أي تونس نريد ومَن يكتب مستقبلها؟
