خارطة طريق لتحوّل قطاع الكهرباء في تونس: تمويل دولي وإصلاحات شاملة

شهد قطاع الطاقة في تونس خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات الكبرى كشفت عن الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية، خصوصاً في منظومة إنتاج الكهرباء وتوزيعها. في هذا السياق، كشف البنك الدولي في وثيقة نُشرت في أبريل 2025 عن خارطة طريق إصلاحية تهدف إلى تحديث قطاع الكهرباء في تونس، مركزةً على الشبكة الكهربائية والوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG).

تركز خارطة الطريق التي وضعتها المؤسسة المالية الدولية على ضرورة تنفيذ إصلاح متكامل يبدأ بإعادة هيكلة شركة الكهرباء والغاز، لتمكينها من مواجهة المصاعب المالية وتسريع وتيرة الاستثمار في البنية التحتية. وبينت الوثيقة أن تجاوز أزمة الكهرباء في تونس لا يقتصر على زيادة الإنتاج فحسب، بل يتطلب معالجة منظومية تبدأ بإصلاح الشركة ذاتها، مروراً بتحسين أداء الشبكات القائمة، وحتى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز كفاءة المنظومة الطاقية.

وجّه البنك الدولي توصياته نحو منح الأولوية للاستثمار في تطوير شبكات نقل وتوزيع الكهرباء، لما لها من دور محوري في زيادة موثوقية الخدمة والحد من الانقطاعات المتكررة. كما دعا إلى ضرورة الاستثمار في الطاقات المتجددة لتقليص الاعتماد على المصادر التقليدية المكلفة، تماشياً مع التوجهات الدولية في مجال الاستدامة والحد من انبعاثات الكربون.

وسرعان ما تحوّلت هذه المبادئ المالية والفنية إلى خطوات عملية، إذ أبرمت تونس في نوفمبر 2025 اتفاقية تمويلية مع البنك الدولي بقيمة 430 مليون دولار. يهدف هذا البرنامج الممتد على خمس سنوات إلى تحويل القطاع الطاقي في تونس نحو المزيد من الفعالية والموثوقية، بدعم مباشر من صندوق الاستثمار في المناخ.

يشمل البرنامج تمويل تحسين أداء الشركة الوطنية للكهرباء والغاز، وتطوير البنية التحتية وتوسعة شبكة الكهرباء، مع دعم حوكمة القطاع من أجل شفافية أكبر وكفاءة أفضل في الإدارة. ويُرتقب مع تطبيق الإصلاحات الموصى بها أن يرتفع حجم الاستثمارات السنوية، مما سيساهم في تحسين جودة الخدمات الكهربائية وزيادة فرص العمل في القطاع.

ولا تقتصر الإصلاحات على الجوانب المالية والفنية، بل تشمل أيضاً تشجيع المشاريع الصغيرة في مجال الطاقات المتجددة وتحديث القوانين المنظمة للقطاع، بما يعزز مشاركة القطاع الخاص ويوسع دائرة الابتكار.

في المجمل، تعكس خارطة الطريق التي عمل على بلورتها البنك الدولي وتونس رؤية استراتيجية لإنقاذ قطاع الكهرباء وضمان استدامته، عبر الاستثمار في الموارد البشرية والتكنولوجية وتحديث تشريعات القطاع، الأمر الذي يمثل خطوة ضرورية لمستقبل الطاقة في البلاد. ويظل نجاح هذه المبادرة مرهوناً بمدى التزام جميع الأطراف المعنية بتنفيذ الإصلاحات وتوفير المناخ الملائم لجذب الاستثمارات ودعم النمو الاقتصادي.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *