سور سوسة العتيق بين الحفاظ على التراث وحقيقة الجدل حول الطلاء الأبيض

انتشرت مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة “فيسبوك”، صورة يظهر فيها أحد الأشخاص وهو يقوم بطلاء جزء من أحد الأسوار التاريخية بمادة بيضاء، قِيل إنها “الجير الأبيض”. خلقت هذه الصورة حالة من الاستغراب والقلق بين التونسيين، لا سيما سكان سوسة والمهتمين بالتراث الثقافي، إذ ظن الكثيرون أن العمل يخص سور المدينة العتيقة المصنف ضمن قائمة التراث الوطني والعالمي لليونسكو.

سور سوسة العتيق يُعدّ من أبرز المعالم الأثرية، إذ يحيط بالمدينة القديمة ويحمل في طياته تاريخاً يمتد لقرون طويلة. وتزامناً مع تداول الصورة، راجت انتقادات حادة حملت اتهامات بارتكاب “جريمة في حق التراث” وطالبت السلطات الثقافية والحضرية في سوسة بالتدخل العاجل لحماية المعلم من أي تدخل غير مدروس.

غير أن مصادر مطلعة أكدت أن ليس كل عملية طلاء تعتبر تخريباً للمعلم الأثري، إذ أن الجير الأبيض يُستعمل تقليدياً في عمليات الترميم والصيانة للعديد من الأسوار الحجرية والمباني القديمة بغرض الحماية من الرطوبة وتعزيز متانة الجدران. وأشارت المصادر ذاتها إلى أن عملية الترميم باستخدام الجير الأبيض تُجرى وفق قواعد محددة وتحت إشراف مختصين، مع التأكيد أن الحادثة لم تطل الأجزاء الأصلية والحساسة من سور سوسة العتيق المصنف عالمياً، بل اقتصرت على أماكن تحتاج الصيانة الدورية.

ولسور سوسة أبعاد حضارية وتاريخية، فقد مثّل على مدى العصور رمزاً للمدينة القديمة وشاهداً على تعاقب الحضارات والتطورات المعمارية. ومع ارتفاع الأصوات المطالبة بضمان صون التراث، يجدر التأكيد على أهمية التفريق بين محاولات الصيانة السليمة والتدخلات غير المدروسة، خاصة مع وجود إشراف لجان مختصة في ذلك.

القضية جددت النقاش حول مسؤولية المجتمع والبلديات في حماية المعالم التاريخية، إذ تبقى كل أعمال الصيانة والترميم مطالبة بالشفافية والمراقبة والتوضيح للرأي العام، حتى لا تقع أي شبهة حول المساس بالمعالم الأثرية، التي تظل جزءاً لا يتجزأ من هوية سوسة وتونس ككل.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *