سياسات الدولة والتضخم في تونس: بين السيطرة والجدل الاقتصادي
تعيش تونس في الفترة الأخيرة على وقع مناقشات مكثفة حول أزمة التضخم التي تثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع في آن واحد. ورغم الإعلان الرسمي عن تراجع معدل التضخم إلى 5.1% خلال شهر يوليو 2026، ليواصل بذلك مساره التراجعي مقارنة بالشهور السابقة، إلا أن الخبراء لا ينفون استمرار الضغوط التضخمية في الأفق، ويرون أن الأرقام الأخيرة لا تعكس بالضرورة واقع الأسعار في الأسواق أو تحلل جذور الأزمة بما فيه الكفاية.
ترجع الأزمة الحالية، بحسب خبراء اقتصاد محليين ودوليين، إلى تداخل عوامل متعددة، أبرزها السياسات الحكومية في إدارتي المالية والنقد، حيث لجأت الدولة في محاولة لإنعاش الاقتصاد الوطني إلى إجراءات كزيادة الإنفاق العمومي ودعم المنتجات الأساسية، فضلاً عن تجربة التحكم في أسعار بعض المواد الاستهلاكية. ورغم هدف هذه التحركات في حماية الفئات الضعيفة من الغلاء، إلا أن بعض المحللين يؤكدون وجود آثار جانبية ترسخ استمرار التضخم، خاصة عند تمويل جزء من العجز عبر التداين الداخلي أو زيادة الكتلة النقدية.
ويشير المختصون إلى أنه رغم استقرار نسب التضخم تحت سقف 6%، إلا أنه لا يمكن غض الطرف عن الضغوط المتواصلة على القدرة الشرائية، بسبب استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية. كما يشتكي القطاع الخاص من غموض السياسات الاقتصادية، مما يكبح الاستثمار ويعيق تحقيق نمو اقتصادي متوازن.
وفي الوقت ذاته، تسعى الحكومة التونسية لطمأنة الرأي العام من خلال تسليط الضوء على المؤشرات الإيجابية وتراجع معدل التضخم مؤخرًا، معتبرة أن حزمة الإصلاحات المعتمدة ستؤتي ثمارها على المدى المتوسط. لكن هناك من يشدد على ضرورة إعادة النظر في المنظومة الاقتصادية بشكل معمق، خاصة فيما يخص السياسة النقدية وترشيد الدعم لمواجهة التضخم بشكل مستدام.
بالنتيجة، يظل التضخم في تونس موضوع جدل واسع بين مؤيد للخطوات الحكومية باعتبارها ضرورة مرحلية، وبين من يرى ضرورة مقاربتها بإصلاحات هيكلية أكثر جرأة تزرع الثقة وتحسن آليات السوق وتعزز تنافسية الاقتصاد.
