صفاقس بين الأمس واليوم: مدينة بلا سينما رغم التاريخ العريق

عرفت مدينة صفاقس، ثاني أكبر مدن تونس، في النصف الأول من القرن العشرين ازدهارًا ثقافيًا لافتًا، خاصة في مجال السينما. فقد كانت تضج بالحياة الفنية والثقافية حيث شهدت افتتاح أولى قاعات السينما مثل “الروايال” مطلع عشرينات القرن الماضي، وتلتها قاعات أخرى كـ”الأطلس” و”الكوليزاي” و”الأولمبيا” و”الألفية” وغيرها، ليبلغ عددها 11 قاعة سينما احتضنت جمهورًا متعطشًا للفن السابع وفعاليات نوادي السينما منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

كانت صفاقس تعد بمثابة العاصمة السينمائية جنوب تونس وشكلت صحة ثقافية عريقة جذبت إليها أشهر الأفلام والنقاشات، بالإضافة إلى مساهمتها في بروز عدد من أبناء الجهة في مجال الإخراج والتمثيل. هذه القاعات الثقافية لم تكن مجرد أماكن لعرض الأفلام، بل فضاءات للحوار والتلاقي الثقافي والاجتماعي أضفت على المدينة طابعًا حضاريًا وجعلتها حاضرة باستمرار في المشهد الفني الوطني.

لكن بمرور الزمن، ونتيجة عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وتغير أذواق الجمهور، بدأت هذه القاعات تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى. اليوم، ورغم أهمية صفاقس الاقتصادية والثقافية، لم يبق بها أي قاعة سينما مفتوحة للجمهور، بل صار أبناء المدينة يفتقدون تلك اللحظات التي جمعت الأجيال أمام الشاشة الكبيرة، وصارت المناسبات السينمائية تنظم في الفضاءات الثقافية البديلة كالمركب الثقافي محمد الجموسي، مما يعكس تراجعًا في دعم الثقافة السينمائية.

هذا الوضع أثار حنين الكثيرين وحسراتهم على زمن كانت فيه قاعات السينما جزءًا من النسيج اليومي، ودفع مثقفين لتنظيم حملات من أجل إحياء هذه الفضاءات مجددًا وإعادة الحياة السينمائية لمدينة لها رصيد تاريخي كبير في هذا المجال. ورغم التحديات، فإن الذاكرة الجماعية لصفاقس تظل متعلقة بتلك القاعات، على أمل أن تعود السينما إلى سابق مجدها في المدينة التي تستحق أكثر من مجرد إشعاع اقتصادي؛ تستحق عودة روحها الثقافية والفنية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *